يتناول فيلم «سيلما» من إخراج آفا دوفرناي سيرة القس مارتن لوثر كينغ، أحد أبرز قادة حركة الحقوق المدنية للسود الأفارقة في الولايات المتحدة، ودوره في تنظيم المسيرة التاريخية من «سيلما» إلى «مونتغومري» في ولاية ألاباما عام 1965 للضغط على الحكومة لتغيير قانون التصويت. قانون يدعم الممارسات العنصرية التي كانت تُمارس ضد السود وتحول دون التمتّع بحقهم في المشاركة في الانتخابات كباقي المواطنين، وذلك عبر شروط مثل وجوب إثبات عدم الأمية وغيرها.


اللافت في شريط من بطولة دايفد أيلو، وكارمن إيجوغو، وطوم ويلكنسون، وتيم روث، إضافة إلى الإعلامية الأميركية الشهيرة أوبرا وينفري التي شاركت في التمثيل والإنتاج، أنّ هذا العمل هو الثاني على التوالي، من بين الإنتاجات الهوليوودية في عهد أوباما الذي يستعيد تاريخ العنصرية وقمع السود في الولايات المتحدة من بعد The Butler (إخراج لي دانيالز) الذي صدر في 2013 من بطولة وينفري وفورست وايتايكر. في «سيلما»، تجسّد وينفري شخصية الناشطة في حركة الحقوق المدنية «آني لي كوبر» الشهيرة بواقعة ضربها شريف المقاطعة رداً على قمعه المتظاهرين، وهي أفضل في أدائها لهذا الدور الصغير من دور البطولة في The Butler.
مارتن لوثر كينغ كما يقدّمه الشريط هو محدّث لبق، ومحنّك، لا يفقد رباطة جأشه أبداً، ما يبدو مزعجاً أحياناً. الشخصية التي ينجح الممثل دايفد أيلو بتقمّصها بإتقان، فيقدّم صورة مقنعة عن مارتن لوثر من غير أن تكون مؤثرة بالضرورة. لكن رغم المثالية الظاهرية غير القابلة للخدش التي يظهرها الفيلم، إلا أنّه وبأسلوب مستتر يضعها في دائرة الشك. فعلاقة كينغ بزوجته «كوريتا» (كارمن إيجوغو) مضطربة وملتبسة بحسب الفيلم. صحيح أنّ «سيلما» يحيل ذلك جزئياً على عدم شعور الزوجة بالأمان بسبب التهديدات المستمرة التي تلاحقهما، غير أنّه هناك تلميح في أحد المشاهد حول شكّها بخيانة زوجها المتكرّرة لها حين تتسلم تسجيلاً صوتياً مزوّراً يُسمع فيه كينغ وهو يقيم علاقة جنسية مع أخرى. هنا، تخبره «كوريتا» بأنّها لم تصدّق الشريط لأنّها تعرف صوته جيداً، أي أنّ المسألة لا تتعلّق بثقتها به! هو الجزء الناقص من الحوار أو الصمت ما بين الجمل الذي غالباً، وبذكاء، يعبّر عن ذلك الجزء الغامض من شخصية كينغ. وما هو مثير للاهتمام أيضاً هو الجدال الذي يطرحه الفيلم حول الزعماء السود الذين قادوا حركات النضال ضد العنصرية، والصراعات ما بينهم، والتناحر ما بين مارتن لوثر كينغ ومالكوم أكس الذي يرى في الأوّل عميلاً للرجل الأبيض، نظراً إلى المفاوضات التي أجراها مع البيت الأبيض. ويعتقد مالكوم أكس أنّ خصمه مستعد للتضحية بشعبه عبر مفهوم المقاومة السلمية الذي يروّج له في مواجهة عنف الشرطة وإجرامها. رغم ذلك، يُظهره «سيلما» وهو آتٍ لزيارة مارتن لوثر كينغ من بعد سجنه، الأمر الذي ترحب به «كوريتا»، في حين يشكك زوجها بحسن نيّاته. من جهة أخرى، يتهم الرئيس الأميركي ليندون بي. جونسون (طوم ويلكنسن) كينغ باستعمال الضحايا كورقة ضغط على الحكومة لتغيير القانون، فهو حرّض على المسيرة السلمية مع علمه بأنّه يتوقع أن يكون رد الشرطة عنيفاً، كما أنّ التغطية الإعلامية التي ستواكب الأحداث ستزيد الضغط على الحكومة. وقد لا يكون مالكوم أكس مخطئاً تماماً في ما يخص رأيه بالناشط الشهير. فمهارته تنبع من كونه ضليعاً في السياسية التي تعتبر «لعبة الرجل الأبيض». كل شيء محسوب جيّداً بالنسبة إليه؛ المكان الذي يختاره لبدء المعركة أي «سليما» (غالبية سكانها من السود)، والتوقيت المناسب لخوضها الذي يضعه على عاتق الإرشاد الإلهي. في المسيرة الأولى التي يقودها كينغ ويحشد لها عبر الإعلام، يجثو على ركبيته من بعد انسحاب رجال الشرطة، ويقرّر التراجع خوفاً من أن يكون ذلك مجرد كمين، وهو ما يثير الاحتجاجات بين المتظاهرين الذين يتهمونه بالجبن. ولا ينطلق كينغ في المسيرة التالية إلا بعد حصوله على دعم الرئيس الذي يرسل فرقة من الجيش لحماية المتظاهرين.
خصوصية الفيلم تعود إلى الواقعية التي يشرح عبرها مفهوم النضال الذي يتخلّله الكثير من المناورات السياسية من دون أن ينتقص ذلك من أحقيته. فهو يلعب على تلك المساحة ما بين العقلانية والعاطفية. وهي اللغة السينمائية التي تضيف إلى الشريط طابعه الإنساني المؤثّر. عبر الكاميرا والمونتاج، تصوّر المخرجة ببراعة نبض مسيرة «سليما» الضخمة، وإيقاع سير الحشود الموحّد، وعنف الشرطة الذي يشتتها كما لدى رمي قنابل الغاز وملاحقة رجال الأمن للمتظاهرين العزّل، إذ تغرق الشاشة في الضباب وتنجح في نقل حالة الهلع إلى المشاهد الذي مثله مثل الضحايا لا يميّز من أين تأتي الضربة. وهناك المشاهد الداخلية أيضاً، خصوصاً بين مارتن لوثر كينغ وزوجته. عبر التواتر بين الضوء والعتمة، تروي اللغة السينمائية ما لا يقوله الحوار عن التنازع الداخلي الذي يعيشه الزوج رغم صلابته الظاهرة. يُذكر أنّ الفيلم يدخل سباق الأوسكار الشهر المقبل مع ترشيحه لجائزتي أفضل صورة وأفضل أغنية أصلية. يبقى السؤال حول إذا ما كان نضال السود في الولايات المتحدة ما زال مستمرّاً في مواجهة عنف رجال الشرطة، لا سيّما مع الحوادث الأخيرة كمقتل مايكل براون وترايفون مارتن.

صالات «سينما سيتي» (01/995195)