لم يهدأ بال محمد عطوي ( 14 سنة)، بعد سماعه أنباء وصول العاصفة «زينة». كان خائفاً «ليس من البرد، بل من عدم تساقط الثلوج، كما حصل في العام الماضي». كلّ تداعيات العاصفة، عند محمد ورفاقه، لا تعني شيئاً، المهم هو تساقط الثلوج، التي لا تتساقط كل عام، وبواقع الحال تمديد العطلة المدرسية.

يقف أمام نافذة «غرفة الصوبا» بين ساعة وأخرى، يحاول فتحها خلسة، خوفاً من غضب الأب، «علّ المطر الظاهر من خلف الزجاج يكون ثلجاً»، لكن دون جدوى. في منتصف الليلة الأولى من العاصفة، كان يتسلّل إلى النافذة ويعود يائساً، لتأتي المفاجأة في الصباح الباكر «الثلوج تغطي كل مكان».

حمل هاتفه وأرسل صوره الأولى إلى زملاء له في المدرسة علّه يكون أول المبلّغين عن تساقط الثلوج وبالتالي عن استمرار العطلة لأيام اضافية، كما أرسل الصور الى أقربائه في بيروت كي يضمن عودتهم إلى البلدة في أسرع وقت ممكن. وبعد وقت قصير، كان الفتيان قد انتقلوا إلى ساحات البلدة التي تحولت حقلاً أبيض. أما في القرى المنخفضة، كثيراً والتي لم تشهد تساقطاً للثلوج فقد قصد أبناؤها التلال المرتفعة لا سيما في حولا (مرجعيون) ومارون الرّاس (بنت جبيل) المطلتين على المستعمرات الاسرائيلية. بعضهم حمل عدة اللعب، من ألواح خشبية أو بلاستيكية تصلح للتزلج، فمحال المنطقة لا تباع فيها آلات التزلج المعروفة، فيما حمل آخرون بعض الأطعمة وعدة الشاي والأركيلة التي تساهم في صمود الزائرين لساعات طويلة، لا سيما أن الطقس المشمس يسمح بذلك. أما العدد الأكبر من الزائرين فقد تفرّغ لالتقاط الصور ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في حين أعلن موقع houla web عن إجراء مسابقة «أجمل رجل ثلج». وطلبت بلدية شقرا ودوبيه من الأهالي استغلال الحدث الجميل لالتقاط الصور تمهيداً لاختيار أجملها ونشره على موقع البلدة الالكتروني.
هذه الأجواء، بقي الكثير من الآباء بعيدين منها، في ظلّ انهماكهم بشراء المازوت أو جمع الحطب، وتأمين المواد التموينية، أما الأمهات فهمهنّ جمع أولادهن حول المدفأة، وإعداد مأكولات تقيهم المرض، يتناولونها حول «الصوبا»، حيث يبدأ أيضاً شيّ الكستناء والبطاطا.
بوصول العاصفة إذاً تغيرت حياة أبناء المنطقة، المناسبة تبدو عظيمة، عند أبناء بنت جبيل ومرجعيون، ومختلفة عن أخبار وسائل الاعلام. «المشكلة الرئيسية تتعلق في انقطاع الكهرباء والانترنت، وغير ذلك لا يبدو مهماً، طالما أن التدفئة جاهزة والمازوت رخيص». ازدادت نسبة المبيعات في جميع المحال التجارية، لكن الرابح الأكبر كان تجار المواد الغذائية وخطوط الهواتف النقالة، اضافة الى تجار الخرضوات الذين ازداد عدد زبائنهم بسبب الجليد الذي أدى الى انفجار قساطل المياه في عدد كبير من المنازل.
بالعودة إلى السنوات البعيدة الماضية. تغير كل شيء تقريباً بتغير نمط الحياة. لم تكن أنباء وصول العاصفة، الى تلك التلال العاملية الحدودية المنخفضة نسبياً عن سطح البحر (حوالى 700 متر)، تستقبل بفرح أو دعابة أو رغبة، كما يحصل اليوم. ولم تكن مصادر هذه الأنباء مراصد علمية متخصصة، بل كان المزارعون من كبار السن هم الذين يتنبأون بوصولها، قبل غيرهم، وعندما تشتد العاصفة، كما حصل، الأسبوع الفائت، يهجر الكثيرون من أبناء القرية منازلهم المسقوفة من الطين، الى مسجد البلدة الذي كان مفروشاً بحصر البابير، بعد أن يحضروا ما جمعوه من المونة، خوفاً من انهيار منازلهم عليهم. يتذكر عدنان الأمين ( 65 سنة) كيف أن عاصفة فاجأت أبناء بلدته شقرا، فاضطر زوار والده من بلدة حولا المجاورة إلى المكوث 7 أيام متتالية في منزله، بسبب تراكم الثلوج. القصة تعود الى ستينيات القرن الماضي «عندما كان الأهالي يعتمدون في التدفئة على الحطب وزبل الأبقار المجفف، فلم تكن الصوبا قد دخلت بيوت الأهالي، حتى أن أول صوبا من المازوت اشتراها أحد أبناء البلدة عام 1958 كانت محط أنظار الأهالي وموضع حديثهم لفترة طويلة».
بحلول العاصفة كان أبناء المنطقة يجتمعون في المنازل الأكثر أماناً، يحضرون «الخبز والبقعات والدبس والتين اليابس ويتعاونون معاً على طبخ العوامة». فالمحال التجارية لم تكن منتشرة بعد في القرى، وعلى من يفقد جزءاً من مؤونته أن يقصد سوق بنت جبيل أو سوق مرجعيون، أو مقايضة جاره بما يختزنه من الطحين أو البيض أو الحبوب. من يملك الحطب هم الكادحون فقط، أما «الكسالى» فتكون العاصفة الثلجية نكبة عليهم كونهم لم يجمعوا الحطب الكافي، أو يجففوا «زبل» الأبقار لاستخدامه في التدفئة.