قبل نحو سنتين، وبُعيد انتهاء إحدى جولات المعارك مع التبّانة بساعات قليلة، كان «أبو علي» يتحدّث إلى مراسل الصحيفة ضمن جولة ميدانية في شوارع جبل محسن. داخل مكتب بسيط، تابع لمحل ثياب، عند أوّل الجبل. حركة الناس في الخارج كانت لا تزال خفيفة.

تحدّث في السياسة، الدين، الفلسفة، الإعلام، المجتمع وهموم منطقته و«كل أبناء طرابلس».
لم يكن أحد، من الذي قتلهم التفجير الانتحاري المزدوج، يستحق القتل، لكن عيسى خضّور، كان الخسارة الكبرى للجبل... وطرابلس. هو الحكيم صاحب «الكاريزما» والتأثير، والذي لعب، وكان يعوّل عليه أن يلعب، أدوار «العقلانية» بين أبناء المنطقتين. فعلها سابقاً أكثر من مرّة.
كان الجميع في الجبل يستمعون لرأيه، ويستشيرونه، حتى غدا «صوت العقل». هو الخسارة الكبرى، في ما حصل، وهو حتماً، الاستشهادي الوحيد تلك الليلة.

نحو 10 دقائق بين الانتحاري الأول والانتحاري الثاني، سمع الدوّي الأول، فترك منزله ونزل إلى المقهى، وراح يسعف الجرحى. يسمع «تكبير» الثاني، ويرى حركة مطلقه المشبوهة، فينقض عليه ويحتضنه... حتى الموت. نجا بذلك عشرات ممن كانوا يحتشدون، آخذاً بجسده أكثر الشظايا. شهد على ذلك عشرات من شهود العيان.
الكهل المثقف، المقاوم العتيق، والد الأبناء السبعة، لم يكن ليُحب أن يُقتل، إن كان لا بد، إلا على يد «الإسرائيلي» الذي قاتله أيام الاحتلال. في ثمانينيات القرن الماضي، كان عضواً في منظمة العمل الشيوعي، ومن تلك «المنصّة الوطنية» قاتل العدو في بيروت ولحقه جنوباً. واجه «النزعة الانعزالية» لليمين اللبناني، في اقتحام شكّا، ونقل المناضل الطرابلسي الشهير خليل عكّاوي (أبو عربي) على كتفه مصاباً من أرض المعركة. هو ابن منطقة عكّار، لكنه عاش حياته في طرابلس، في جبل محسن تحديداً، قبل أن يكون الجبل منطقة لـ«الآخرين» في عيون بعض الطرابلسيين.
كان من الذين لا يملّون من ترديد لازمة «فلسطين». في شبابه عمل مع «حركة فتح» الفلسطينية. لبس «الكوفية» طويلاً، وتدرّب في مخيم البداوي، لا يُفرّق بين سني أو شيعي أو مسيحي أو... علوي. كثيرة هي البيوت، والمشاريع العمرانية، في طرابلس وزغرتا والمحيط، التي جبلَ «باطونها». كانت هذه مهنته لاحقاً، متعهّد ورش، والتي ظل يعمل بها حتى الأمس القريب.
من نكد الدهر أن تقضي عمرك مقاوماً، للإسرائيلي، ثم مربيّاً لأبنائك وأبناء منطقتك، على العداء لإسرائيل، ونابذاً للطائفية تنظيراً وفعلاً، ثم تموت بفعل تطاير جسد شاب من أبناء منطقتك... انتحاراً. في مرحلة لاحقة أصبح لـ«أبو علي» توجهات إيمانية. لكن بقي على انفتاحه، تجاه الجميع، من دون التنكّر لماضيه.
أعجب كثيراً بتجربة حزب الله، من بعيد، ورغم «إيمانه» كان يوصي الجميع أن يصوّروا الحزب كـ«حركة تحرر وطني». يراه للجميع بلا استثناء.
من مهازل الدنيا في حروب الزواريب، التي تفصل الناس مذهبياً، خصوصاً الذين ما كان لهم يوماً أن يكونوا مذهبيين، أن يُقتل فيها أشخاص مثل عيسى خضّور.