لا يستغني أهالي القرى اللبنانية، الباردة شتاءً، عن اللحاف المنجّد المصنوع من الصوف أو القطن الطبيعي. أما أهل المدن فيفضلون الجاهز من اللحف والفرش والمخدات. لكن يؤكد أصحاب هذه المهنة أنها ليست مهنة قروية فقد تعلموها في بيروت.

الحاج أبو عدنان، ابن بلدة النميرية الجنوبية، تعلّم المهنة في عائشة بكار عندما كان طفلاً في السابعة أو الثامنة من عمره. أحبها وأتقنها وقضى فيها حتى اليوم أكثر من اثنين وخمسين سنة. «هي مصلحة تتطلب الكثير من طول البال ما يجعلها صعبة على جيل اليوم. فندف الصوف بالقضيب الفولاذي أو ما يسمى بالقوس ليس سهلاً» يقول أبو عدنان.

أما الحاج أبو يوسف، ابن زغرتا الشمالية، الذي لا يزال يعمل في المهنة منذ ثماني وخمسين عاماً تعلّمها في طرابلس وأتى بها إلى ضاحية بيروت الجنوبية. استبدل القوس بماكينة كهربائية لندف الصوف أهداه إياها أحد التجار من حلب. وهو لا يستغني عنها أبداً ويرفض بيعها «وعندما أموت، فلتعطها الحجة عن روحي لمن تشاء». لكنه يندم لأنه لم يحتفظ بالقوس كذكرى لبداية هذه المهنة إذ أعطاه لشخص كان يجمع الأدوات القديمة.
يستعمل المنجد بكرة خيطان مخصصة للتنجيد وإبرة كبيرة، ولا ينسى أن يضع الكشتبان (خاتم يوضع في الإصبع كي لا تغرزه الإبرة) في يده. وذلك ليخيّط اللحاف كلّه فلا يميل القطن مع الزبون. كما يتفنّن المنجدون في الدرزات على اللحاف، ويروي لنا أبو يوسف قصة عن شخص من بكفيا طلب منه رسماً على اللحاف ووعده بمئة ليرة يومها، شرط أن لا يرسم على الساتان الغالي كي لا يخرب. وبالفعل شخّص الصورة وكانت لامرأة تعطي زهوراً لرجل ونجح في الأمر.
يحتفظ أبو عدنان بأسرار البيوت التي دخلها لتنجيد الفرش واللحف، وهو معروف في برج البراجنة وجوارها حيث يقطن، ويطلبونه اليوم على الهاتف من كل المناطق. يؤكد ان «الشغل ماشي والحمدلله» وخصوصاً في أول موسم الشتاء حيث يكثر الطلب على اللحف. على الرغم من قول أبو عدنان أن العروس لم تعد تجهّز كالسابق، إلا أن الكثيرين من جيل الشباب اليوم عادوا يطلبون منه تنجيد اللحف، إذ تربوا على اللحف القديمة في بيوت أهاليهم ويعرفون أن اللحاف الصناعي لا يقيهم برد المناطق الجبلية. وقد كان جهاز العروس يتألف من فرشتين ولحافين وستة مخدات على الأقلّ وجودلة (لحاف مخصص لتزيين السرير) تأخذها العروس معها إلى بيتها الزوجي وتتباهى بها أمام عائلة زوجها، وخصوصاً إذا كانت من الصوف الطبيعي. وهنا يذكر أبو عدنان أن مشكلة القطن أنه لا يُغسل بما أنه نباتي (يزرع خصوصاً في مصر) بينما الصوف يمكن إعادة غسله لأنه طبيعي من الخروف ويمكن الحصول عليه من مناطقنا أو من سوريا. ويذكر أبو عدنان أن النسوة قديماً كنّ يغسلن الصوف ويندفنه ويغيّرن أوجه الوسائد كل أربع سنوات تقريباً، لكنه يؤكد أنه لا يمكن للنساء ضرب الصوف بالقضيب كما يفعل المنجد. وكان يُطلب منه فرشات للحجاج عندما كانوا يذهبون بالبرّ. فابتكر طريقة سهلة لتعبئة الفرشة اختصاراً للوقت ألا وهي تركيب السحّاب على كامل الفرشة. كما كان يصنع المساند من القش ويجهزها بقالب خشبي كي يرصّ حشوته. أما مخدات الرويشة (المصنوعة من قشور القمح) فقد عاد الطلب عليها في هذه الأيام بناءً على نصيحة الأطباء نظراً لنعومتها على الرقبة.
«القناعة كنز لا يفنى» يعتبر ابو يوسف هذه الحكمة سر عدم توقفه عن العمل حتى اليوم. فهو لا يطلب الكثير مقابل التنجيد ما يجعل الزبائن يقصدونه «من آخر الدنيا» الى محله الصغير في محلة المريجة، وقد استحدث مشغلاً بالقرب منه منذ سنوات قليلة. على الرغم من عشقه لهذه المهنة لكنه لم يعلّمها لأبنائه ما يجعله يخشى أن تزول بزواله إلا أنه يستعين اليوم بعمّار، الشاب العراقي الذي أتى من بلده وارثاً هذه المهنة عن أجداده في البصرة حيث يتنافس المنجدون هناك بالرسومات على اللحف في سوق مخصص للتنجيد. ويكثر عمل أبو يوسف اليوم بالوسائد المصنوعة من صوف الكرارة (والذي يؤتى به من مصانع الكنزات) والتي «تضاين لسنة واحدة على قد حقها» بحسب تعبير ابو يوسف.
هذه المهنة التي تتطلب الكثير من الوقت والجهد والفن لتعلّمها بدأت بالزوال مع اجتياح الصناعة الأسواق اللبنانية. ولكن يفضّل كبار السن اليوم بقاءها لأنهم يعرفون أن اللحاف الذي يحوي ثلاثة او أربعة كيلوغرامات من الصوف يعطي دفئاً ليس له نظير ويحافظ على نوعيته ثلاثين أو أربعين سنة، فيبقون على تنجيد لحفهم القديمة ولا يتوانون عن شراء الجديد منها ويشجعون أبناءهم من جيل اليوم على الحفاظ على هذه العادة.