لم تسقط ورقة التوت في البص والرشيدية، بل سقطت الأيادي الأرمنية التي زرعت أشجارها منذ وصول اللاجئين الأرمن من كيليكيا إلى مرفأ صور عام 1939 هرباً من الحرب العالمية الثانية. لم يتبق سوى كنيستين لا تدق أجراسهما وعائلة أطاميان التي صمدت وحدها في البص بعد مغادرة الأقارب والجيران إلى برج حمود وعنجر على نحو تدريجي منذ اندلاع الحرب الأهلية. معظم هؤلاء نقلوا نفوسهم من البص والرشيدية، التي كان لكل منها مختار للأرمن الذين كانوا يتجاوزون 2700 شخص ويشاركون في الانتخابات النيابية والبلدية.

نقلوا قيودهم لكنهم لم يفرّطوا بصكوك ملكيتهم لأراض في المنطقة اشترتها الجمعية العمومية الأرمنية الخيرية من الدولة. حوّل الأرمن تلك المستنقعات الرملية إلى بساتين توت أحمر وأبيض وسهول بطاطا حلوة. البساتين والسهول تقوقعت كما مزارعيها.

عنوان سكن آل أطاميان الحالي في مخيم البص وليس في نوباران كما كان يسمى نسبة إلى نوبار باشا رئيس الجمعية. تاريخ العائلة وأبناء جلدتهم في صور بات أرشيفاً من الصور والوثائق والروايات التي ورثها أدونيس وأشقاؤه الثلاثة ووالدته عن والده مختار البص رافي وجده أواديس. حتى هذا الأرشيف نقل إلى برج حمود حيث يسكن باقي أفراد العائلة. شجرة التوت الضخمة الصامدة في «حاكورة» البيت المتواضع تقابلها شجرة ميلاد اصطناعية صغيرة ملأت إحدى الزوايا. فيء الشجرتين ضيق لا يكفي الأسرة لكي تحتفل بعيد الميلاد تحتها. منذ سنوات طويلة، تنزل إلى برج حمود لاستقبال الأعياد. هناك حيث العيد مناسبة جامعة تجد كنيسة مفتوحة لم تصدأ أجراسها.