مرّ بابا نويل ليلة رأس السنة على بيوت الأرمن الأرثوذكس المقيمين في لبنان، ووضع هداياه تحت الشجرة. تأخر ستة أيام عن الموعد الذي تصل فيه الهدايا إلى الآخرين. وسبق عيد الميلاد، عند الأرمن، بستة أيام أيضاً. لا علاقة لبابا نويل بعيد الميلاد إذاً، يأتي في مناسبة رأس السنة الميلادية ليوزّع الهدايا ويتمنى سنة جميلة للمحتفلين بعيداً عن أي رمزية دينية.

بعد هذا الاحتفال، يحرص الأرمن الأرثوذكس على الاحتفاء بعيد ميلاد المسيح في موعده «الصحيح». هم أبناء أول دولة آمنت بالمسيحية في العالم، قبل أكثر من ثلاثين سنة على إعلان الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول اعتناقه المسيحية قرابة عام 335 ميلادي.

الإمبراطور قسطنطين، الذي تساهل مع المسيحيين في بداية حكمه وأصدر قراراً تاريخياً في عام 313 م. (مرسوم ميلانو) يعفيهم من الضرائب التي كانت مفروضة عليهم ويسمح لهم بحرية ممارسة شعائرهم بعد عقود من الظلم والاضطهاد، أعلن متأخراً اعتناقه الدين المسيحي. ولكي يجعل الأمر مقبولاً من شعبه، احتفل لأول مرة بعيد ميلاد المسيح في عام 336، (يقال قبل عام واحد من وفاته) في مناسبة كانت مقدّسة عند الشعب الروماني وهي عيد انقلاب الشمس، أو عيد النور.
اعتبر يومها أن ولادة المسيح هي نور للعالم ونقل الاحتفال إلى هذا التاريخ، الذي لا نجد له ذكراً في الأناجيل المقدّسة. لم تأخذ الكنيسة الأرمنية الارثوذكسية بهذا الاعتبار، وبقي أبناؤها يحرصون على الاحتفال بالعيد في هذا التاريخ منذ قرون، ربما لأنه يصادف مع الاحتفال بعيد الغطاس أو عيد الظهور.
«كل الأرمن في الدياسبورا يحتفلون في 6 كانون الثاني» يقول صاحب احد محال الثياب في برج حمود. أما الأرمن في أرمينيا فيحتفلون ليل الخامس والعشرين من كانون الأول «هذا عيد للأرثوذكس الأرمن، والروس أيضاً يحتفلون مثلاً». أما هو، فلن يحتفل «أنا حزين، ما في عيد. ليه بدو عيّد أنا؟».
بهذه العبارة، كان الرجل الستيني قد بدأ كلامه معنا. هو الوحيد الذي فتح محله في هذا الطقس العاصف. «زوجتي ماتت قبل سنتين، وابني قبل سنة. السرطان أخدهم. لو كانوا معي كنت بقيت بالبيت ولم أفتح المحل».
في الأعياد، كثر هم الذن يفرحون. لكن مناسبات مماثلة، هي التي تعيد الشعور بالخسارة إلى من فقدوا أحباءهم. لذا، يحرص الأرمن، في اليوم الذي يلي عيدهم، على زيارة المدافن، أو ما يعرف بإحياء تذكار الموتى. وهم يفعلون ذلك إثر كلّ عيد يعنى بولادة المسيح أو قيامته.
هذا ما تقوله لنا سالبي مردينيان، شارحة بالتفصيل ما يفعله الأرمن ليلة الميلاد: «نذهب إلى الكنيسة، ونعدّ عشاء تزيّنه الأطباق الأرمنية التقليدية». وأبرز ما يعدّ في هذه المناسبة حلوى الـ«خوشاف» وهي عبارة عن قمر الدين الذي ينقع في المياه، ويضاف إليه الكرز البري والخوخ المجفف والقرفة وجوزة الطيب وعود القرنفل.
«يعني ننتهي إلى طبق هو أشبه بسلطة الفواكه». كلّ هذه المواد يمكن أن نجدها ببساطة في سوق مرعش الشهير في المنطقة. ومن العادات الأرمنية في هذه المناسبة أيضاً، إعداد ضيافة خاصة قائمة على الجوز واللوز والعنب والمشمش والتين و... ومن الحلويات المشهورة عند الأرمن، البقلاوة الخاصة بهم، واسمها «بارابورما» وتتألف من رقاقات البقلاوة الرفيعة، المحشوة بالجوز والسكر والقرفة. أما الأهم، أنه لا وجود للـ buche de noel على الطاولة الأرمنية، إلا من خارج العادات المتعارف عليها.