ارتفعت أصوات الدفوف والطبول والأناشيد فوق أصوات الباعة والسجالات السياسية والمذهبية، في سوق صيدا يوم السبت الفائت. خلف الشيخ أبو صالح خاسكية، مرتدياً عباءته وقبعة خضراء، يسير رجال وشبان وأطفال يصدحون بمدائح للنبي محمد. فتية صغار يحملون طبولاً وآخرون يتمايلون يميناً ويساراً من دون اتصال مع جمهور المتفرّجين.

ثم يتزاحم عدد من الشبان طالبين من الشيخ إدخال قضيب حديدي رفيع في خدهم الأيمن يخرج من خدهم الأيسر. البعض أدخل الحديد في رئاتهم وبطونهم ورقابهم. أبو صالح نفسه قبض على الجمر وفتفته بيديه. «الزفة» كما تسمى، المسيرة الاحتفالية بالمولد النبوي، طقس سنوي اعتادته صيدا منذ عقود. لم يتأثر بأزمات المدينة واضطرابها بدءاً من اغتيال الشهيد معروف سعد والحرب الأهلية حتى الحقبة الأسيرية.

في حي السبيل في البلد القديمة، تقع الزاوية الرفاعية آخر الزوايا الصوفية الصيداوية فاتحة أبوابها.
عند مدخلها الأخضر، علقت لوحتان رخاميتان، الأولى تفيد بإنشائها أواخر القرن التاسع عشر والثانية بإعادة ترميمها وافتتاحها عام 1983. قاعة صغيرة متواضعة تعلوها قناطر وتتوزع بين مساند للجلوس وخزائن لكتب القرآن والفقه والشرع وفق المذهب الشافعي السني. الرطوبة نزعت طلاء الجدران عبر السنوات والتقنين الكهربائي فرض العتمة على القاعة ذات النافذة الوحيدة الضيقة. على كرسيه، يستوي أبو صالح مكشوف الرأس، مرتدياً بنطالاً وقميصاً وسترة وحذاء «سبور». لا يتوقف الستيني عن تناول السجائر. يبدو منعزلاً عما يعصف بالمدينة.»العقل زينة الحياة» يعلق مبتسماً على الدعايات التي التصقت بصيدا في السنوات الأخيرة. يؤكد أنه والمتصوفون لا يشكلون جماعة أو حزباً، بل مجموعة تلتقي في الزاوية ليل الخميس من كل أسبوع، تتعلم تجويد القرآن وأصول الفقه والشريعة وتنشد المدائح النبوية وتعقد حلقات الذكر. يشير أبو صالح إلى أن من يلتزم الزاوية لا يمكن أن يتبع جماعة أخرى لغاية المال أو السلاح أو العقيدة. كل فرد في المجموعة له مهنته التي يعتاش منها وينفق بها على عمل الخير.

كل فرد في المجموعة له مهنته التي يعتاش منها


لا تنشط خارج جدرانها إلا في المولد النبوي كي لا تتأثر بالأجواء المضطربة. وفيما فصل المتصوفون أنفسهم عن محيطهم، يجزم أبو صالح بأن محيطهم لن يتعرض لهم في حال اندلع اقتتال مذهبي أو حكمت الجماعات التكفيرية التي لن تجد فيهم خطراً، برغم ما يعتبره البعض أن طقوسهم، مستقاة من مذاهب غير سماوية. ويلفت إلى أن رواد الزاوية ليسوا من السنة فقط، مؤكداً أن أشخاصاً شيعة ومسيحيين ودروزاً يحضرون الحلقات.
صيدا كانت تعج بالزوايا الصوفية في القرون الماضية بدءاً من العهدين المملوكي والعثماني. وتذكر الكتب التاريخية أنها اشتهرت بسبع زوايا منها الجيلاني والزعتري والنقيب. لم تبق السنوات منها سوى الزاوية الرفاعية. زاوية تضيق وتتقوقع على نفسها كلما ضاقت صيدا على ذاتها.