لم يكن عيد ميلاد النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي أو البرتغالي كريستيانو رونالدو يوماً سعيداً بالنسبة إلى عشاق كرة القدم. هم خافوا غالباً في كل مرّةٍ اقترب فيها النجمان المذكوران من العقد الثالث من العمر، وهم عاشوا همّاً كبيراً بعد تخطيهما هذه العتبة واقترابهما أكثر من سنّ اعتزال كرة القدم.

لسان حال الكل سأل دائماً: من سنشاهد ومن سيمتعنا بعد نهاية مشوار ميسي ورونالدو في الملاعب؟ ومن هو الخليفة الذي يمكن أن يعوّض غيابهما ويترك ذاك التأثير الساحر على عالم المستديرة؟
الجواب حتماً كان لا أحد، رغم ظهور مواهب كثيرة في الأعوام القريبة الماضية، لكن قلّة منها استطاعت مزاحمة الثنائي الرائع على عرش العالم والدليل منافستهما السنوية على الألقاب الفردية التي أفلت أحدها منهما في مناسباتٍ نادرة جداً.
هو الفراغ القاتل بالتأكيد الذي ينتظر معشر الكرة، وهو الفراغ الذي يمكن أن يحكي عنه أكثر من أيّ أحدٍ آخر محبو فريقيهما السابقين برشلونة الإسباني ويوفنتوس الإيطالي. كلامٌ يمكن تثبيته من خلال نتائج وترتيب الفريقين في الدوري حيث أثقلتهما النتائج السلبية ودفعت بهما إلى المراكز المتأخرة على لائحة الترتيب العام.
مشهدٌ يدحض كل الكلام الذي تناوله البعض بإيجابية عندما حزم ميسي حقائبه باتجاه فرنسا للانضمام إلى باريس سان جيرمان، وعندما قرر رونالدو العودة إلى إنكلترا ليطلق حقبة ثانية له مع مانشستر يونايتد. وقتذاك علّق مدرب «اليوفي» ماسيميليانو أليغري على رحيل هدافه بكلمات قليلة: «الحياة تستمر».
يا لها من كلمات في غير محلّها، وكم هي غير صائبة وتقلّل من شأن رونالدو الذي بمجرد وصوله إلى «أولد ترافورد» دخل يوفنتوس دوامة نتائج سلبية لم يعرف الخروج منها حتى الآن، حيث يسير وضعه من سيئ إلى أسوأ على صعيد الأداء قبل النتائج، وهو الذي لم ينجح بتحقيق أي فوز في المراحل الأربع الأولى من الدوري الإيطالي للمرة الأولى منذ موسم 1961-1962.
صحيح أن الحياة تستمر حتى في حالات الموت، لكن ليس بالنسبة إلى فقدان أسطورةٍ حيّة مثل رونالدو، إذ يكفي أنه وعلى مدار 3 سنوات كان الهداف الأول لفريقه في كل موسمٍ خاضه بألوانه مسجلاً 81 هدفاً في 98 مباراة لعبها في مختلف المسابقات. لكن رغم ذلك كان البعض غير مسرور بوجوده بسبب الراتب الضخم الذي حصل عليه. أما الحقيقة فإن البهجة والسرور قد يغيبان لفترةٍ غير قصيرة عن نادي «السيدة العجوز» الذي سرعان ما تأكد أن ما دفعه لنجمه السابق كان أقل مما يستحقه، وأن خسارته تبدو فادحة لأنه بكل بساطة خسر أهم عنصرٍ لديه على أرضية الميدان.
خسر يوفنتوس الكثير، فهو لم يخسر هدافاً فقط إنما أيضاً لاعباً قيادياً ومؤثراً في المجموعة بتحفيزه الجميع من خلال خلق أجواء جوعٍ دائمٍ لتحقيق الانتصارات وحصد الكؤوس. صحيح أن فريق أليغري يملك أسماءً معروفة مثل الأرجنتيني باولو ديبالا والإسباني ألفارو موراتا وغيرهم من أولئك النجوم الذين أحرزوا كأس أوروبا مع المنتخب الإيطالي خلال الصيف، لكن أيّاً منهم لا يمكنه أن يزرع الخوف في نفوس الخصوم عندما يرون اسمه على قائمة المباراة كما كان الحال أيام كان الـ «سي آر 7» حاضراً بالقميص الأبيض والأسود.
وهناك في برشلونة يبدو الوضع مشابهاً تماماً لكن مع خسائر أقسى بكثير، فرحيل ميسي كانت له انعكاسات مختلفة منها الاقتصادي - التسويقي، ومنها النفسي ومنها الفني، ما حوّل واحداً من القوى الكبرى إلى فريقٍ عادي جداً ينتقده محبوه قبل كارهيه.
وبعيداً من مسألة المال التي كانت السبب وراء عدم القدرة على تجديد عقد القائد السابق للفريق الكتالوني، بدا جليّاً في كل المباريات التي لعبها «البرسا» أن لاعبيه لم يعودوا يشعرون بفائض القوة الذي تنعّموا به أيام كان «ليو» يصول ويجول بينهم على أرضية الميدان. هم يشعرون قبل كل مباراة بحجم النكسة التي تعرّضوا لها فيدخلون وكأنهم يعانون من الكآبة ما يعطي أفضلية بسيكولوجية لخصومهم عليهم.
ببساطة خسر برشلونة أكثر من نصف قوته، وخروج قائده الكبير ترك عسكراً مشرذماً على المستطيل الأخضر لا يعرف إلى أين يتجه أو كيف يتعامل مع المعارك التي يخوضها، فبدا أنه خسر حرب «الليغا» من أول معركة، وعلى ما يبدو فإن سقوطاً مدوّياً ينتظره في أوروبا حيث الكبار الأقوياء، وذلك بعد تلقيه 3 أهداف على أرضه في بداية المشوار أمام بايرن ميونيخ الألماني.
برشلونة الذي أصبح من دون أسلحة ثقيلة، فقد سلاحه الأكثر فتكاً، والذي تمكن من دكّ الحصون مهما كان جيشها قوياً ومتماسكاً، إذ إن ميسي كان الحلّ في غالبية الأحيان في كل مخاض عسير، والكل كان يشعر على الملعب بأنه عندما تنتهي الحلول يجب تسليم الكرة إلى الرقم 10، والباقي هو مجرد تفاصيل.
اليوم بات «البلاوغرانا» من دون روح بلا أسطورة النادي، ومن دون هداف، ومن دون قائد، ومن دون كبرياء، وجسم من دون رأس وعقلٍ مفكّر ومنفّذ للإبداع... وما الجسم من دون رأس إلا جثة بلا حياة.