لم يكن فوز الهداف البولندي روبرت ليفاندوفسكي بجائزة أفضل لاعبٍ في العالم عن عام 2020 مجرد صدفة، فهو من طراز اللاعبين الذين لا يمرّون كل يومٍ في عالم كرة القدم، بل كل ربع قرن أو كل 50 سنة وأكثر.

الرقم الذي أصابه «ليفا» في نهاية الاسبوع هو الدليل على هذا الكلام، اذ انه ورغم اصابته وابتعاده لفترةٍ غير قصيرة عن الملاعب هذا الموسم، فقد وصل الى هدفه الأسمى في نهاية المطاف، وذلك بمعادلته رقماً لم يكن ليحققه اصلاً لو لم يلعب مع بايرن ميونيخ بطل المانيا، تماماً كما فعل سلفه «البومبر» غيرد مولر.
40 هدفاً في موسمٍ واحد. رقمٌ خرافي بلا شك في العصر الحديث للعبة، حيث زادت كرة القدم صعوبةً، وحيث بات المدافعون جزارين بحق المهاجمين، وخصوصاً في دوري بدني يمتاز بالالتحامات القوية الحاضرة غالباً في المباريات، ويعاني اولئك الذين يشغلون المراكز المتقدّمة على ارض الملعب اكثر من غيرهم من صراعات مليئة بالتداخلات القانونية وغير القانونية، فقط لإيقافهم عمّا يبرعون به بشكلٍ رهيب.
ليفاندوفسكي هو أحد هؤلاء المهاجمين النادرين والأقوياء الذين يعمل المدافعون على «محاولة اغتيالهم» كروياً على أرض الملعب، وذلك في محاولةٍ لوقف أذيتهم المتمثّلة في هزّ الشباك وتسجيل الاهداف. هو يعاني كثيراً على هذا الصعيد، لكنه بالتأكيد لا يأبه ولا يستسلم، والدليل المستوى الذي يقدّمه موسماً بعد آخر وتطوّره المستمر، وتأثير غيابه عن البايرن، وهو ما حصل هذا الموسم عندما أقصي الفريق البافاري عن دوري ابطال اوروبا إثر افتقاده نجمه الذي لا بديل له.
أهمية ليفاندوفسكي هي في كل لمسة له على ارض الملعب، اذ عندما تكون الكرة بين قدميه تكون الخطورة حاضرة، حتى لو كان ظهره الى المرمى، وهو مع كل كرة عرضية الى داخل منطقة الجزاء يثير القلق في نفوس المدافعين، ويترك غالباً بصمةً في شباك الحراس.
«ليفا» هو الرقم 9 العصري الذي يريد كل فريق كبير أن يكون لديه مثله في صفوفه. أرقامه تحكي عنه وتضعه خلف النجمين التاريخيين الارجنتيني ليونيل ميسي والبرتغالي كريستيانو رونالدو في العصر الحديث، وتحديداً في المسابقة الأهم، أي دوري ابطال اوروبا.

لا يمكن وضع ليفاندوفسكي سوى في منزلة ميسي ورونالدو


مهاجمٌ ذكي، فتّاك، ويلعب للمجموعة رغم «الأنانية» التي تكون غالباً حاضرة في نفوس رؤوس الحربة للانفراد بعملية تسجيل الاهداف. وفي هذا التوصيف الكثير من المشاهد في مباريات بايرن حيث يخرج الفريق البافاري من الضغط في منطقة الوسط، بفعل خروج ليفاندوفسكي من مركزه للظهور على خط التمرير واستلام الكرة واطلاق الهجمات.
هذا النجم هو قيادي ايضاً، اذ ان عودة بولندا الى ساحة كبار القارة في الاعوام الاخيرة كانت بفضله، وهو الذي سيحمل شارة قيادة منتخبها في كأس اوروبا المقبلة. هذه البطولة كادت تفتقده لو ان اصابته طالت، لكن اللافت انه في كل مرّة يصاب يعود بسرعة واقوى، وذلك بفضل التزامه الرهيب بالتمارين التي حوّلته الى كتلة عضلات ترتطم بالمدافعين وتجعلهم يدفعون ثمن محاولتهم مشاكسته.
«ليفا» مبتسم دائماً وصاحب اخلاق دمثة على ارض الملعب، ويعكس جوّاً محبّباً عند الجمهور من خلال اطلالاته المميزة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يدمن الرقص!
«مدفعجي» بايرن وصل اليوم الى سن الـ 32، لكنه لا يشيخ ابداً ولا يملّ من تسجيل الاهداف، لا بل انه يظهر وكأنه لا يزال متمسكاً بشغف قيادة الفريق الى الالقاب وعدم التفكير في خوض تجربةٍ في مكانٍ آخر حيث يمكنه الحصول على راتب أعلى. تفكير ذكي من دون شك، لأن «ليفا» وجد نفسه بشكلٍ كبير مع بايرن، والاخير وجد انه لا حاجة له إلى مهاجمٍ آخر في تشكيلته، ولهذا السبب لم يتعاقد مع بديلٍ له، ولهذه المسألة دلالات عدة تختصر بمدى حجم ما يمكن ان يتكفّل به لاعب واحد، في وقتٍ نشاهد فيه اكثر من مهاجم كبير في الفرق الكبرى الاخرى المنافسة لبايرن اوروبياً.
اما الأمر الاكيد فإن التاريخ سيذكر ليفاندوفسكي لزمنٍ طويل، وهو الذي لم ينتهِ من كتابته على طريقته الخاصة، اذ اقله لا يزال ينتظره الرقم القياسي الخرافي مع ترقّب تسجيله للهدف الرقم 41 في «البوندسليغا» هذا الموسم.