هو الصيف المنتظر بالنسبة إلى عشاق كرة القدم حول العالم، وخصوصاً محبي البطولات الخاصة بالمنتخبات الذين انتظروا بشوق «يورو»، لكن الضربة جاءت قاضية من فيروس «كورونا» الذي أجبر المنظّمين على تأجيلها حتى 11 حزيران المقبل.

وفي وقتٍ بدأت فيه كولومبيا والأرجنتين دراسة معمّقة لإيجاد آلية تسمح بدخول المشجعين إلى الملاعب بنسبة محدّدة كون كوبا أميركا هي أهم بطولة في القارة اللاتينية المجنونة بحب كرة القدم، تبدو الأمور أصعب بالنسبة إلى البطولة الأوروبية التي كانت تنتظر نسخة تاريخية في العام الماضي بفعل إقرار إقامة المباريات الـ 51 للمنتخبات الـ 24 في 12 مدينة أوروبية مختلفة.
لكن الأمور تغيّرت حالياً فعادت الحدود لتُغلق بين الكثير من البلدان الأوروبية التي سبق أن فتحتها بعد انضواء غالبيتها تحت جناح الاتحاد الأوروبي، ليبدو قسمٌ كبير من «القارة العجوز» وكأنه بلد واحد. وهذه النقطة أحدثت إرباكاً مع استئناف مباريات دوري أبطال أوروبا أخيراً، إذ إن المعايير الصحية التي وضعتها بلدان مثل ألمانيا وإسبانيا منعت فرقاً من بلدانٍ معيّنة من المجيء للعب في أراضيها، وهي مسألة تطرح علامة استفهام كبيرة حول القدرة على تنقّل المنتخبات بين بلدٍ وآخر للعب مبارياتها.
أما السؤال الآخر فهو يرتبط أيضاً بمسألة السفر والتنقّل، ويرتبط تحديداً بإمكانية حضور الجماهير من خارج البلد المضيف، وحتى إمكانية قبول الاتحاد الأوروبي بفكرة السماح للمشجعين بالدخول إلى الملاعب حتى لو لم يكونوا من أصحاب الضيافة.
هذه الإشكالية قد تطرح اليوم جدالاً واسعاً حول جدوى إقامة كأس أوروبا من عدمها، وخصوصاً أنه في غياب الجمهور ستخسر البطولة المزيد من الأموال التي خسرت قسماً كبيراً منها أصلاً عند إقرار تأجيل البطولة في العام الماضي، وهو قرارٌ يُنتظر أن يُتخذ قبل آخر الشهر المقبل عندما يعقد «اليويفا» مؤتمره في سويسرا.
والأكيد أن الطرح الأبرز عند انعقاد المؤتمر سيكون حول شكل المسابقة لناحية البلدان المضيفة وآلية تنظيم المباريات حيث لا يستبعد أن يتم خلق «فقاعة» لإقامة البطولة في بلدٍ واحد تماماً كما حصل في الصيف الماضي بخصوص مسابقتي دوري الأبطال و«يوروبا ليغ» اللتين استضافت الأدوار النهائية فيهما البرتغال وألمانيا على التوالي.

الاقتصاد الكروي بخطر
المهم أن إقامة «اليورو» تبدو أكثر من حاجة ضرورية للاتحادات الأوروبية الوطنية وعددها 55 اتحاداً، إذ إنها تخرج كل يوم معلنةً المزيد من الخسائر جراء انخفاض الأرباح من تنظيمها لبطولاتها وفق آليات استثنائية، وابتعاد قسمٍ كبيرٍ من المعلنين بسبب الأزمة الاقتصادية التي أصابتهم جراء توقف العمل خلال فترات الحجر الطويل. كذلك، فإن عقود النقل التلفزيوني ذهبت حصتها الأكبر إلى الأندية لتفادي إفلاسها، ما يعني أن الاتحادات تعوّل على إقامة كأس أوروبا لكي تحصل على حصتها من أرباح البطولة، وخصوصاً تلك الممثّلة بمنتخبات حيث سيقسّم مبلغٌ وقدره 371 مليون يورو على المنتخبات الـ 24، بينما سيتم توزيع 775 مليون يورو على الاتحادات الأعضاء في السنوات الأربع المقبلة.

قد يستغني «اليويفا» عن فكرة الاستضافة الموسّعة وينظّم كأس أوروبا في بلدٍ واحد


هذه المبالغ تبدو ضرورية في ظل الخطر الذي يهدد الاقتصاد الكروي في أوروبا حيث يسير بارتفاعٍ ملحوظ أسبوعاً بعد آخر، وخصوصاً في ظل التأخر في فتح أبواب الملاعب أمام الجماهير، ما يجعل إقامة «اليورو» مسألة شبه حتمية حتى لو غاب عنها المشجعون، وذلك في محاولةٍ لتحصيل أرباحٍ من النقل التلفزيوني والمعلنين المستعدين لمواصلة الاستثمار فيها كونهم يعلمون أن مكوث الجمهور في المنازل سيرفع من نسب المشاهدة التلفزيونية، وهي مسألة ستنعكس بلا شك إيجاباً عليهم.

الجمهور غير مستبعَد
لكن الحضور الجماهيري لن يكون مستبعداً، وهي نقطة سيتم العمل عليها حتى نهاية شهر أيار المقبل، وذلك لناحية مراقبة أوضاع «كورونا» في البلدان المعنيّة، إذ سيتحدّد على أساس نسبة الإصابات حجم نسبة الجماهير التي بإمكانها الجلوس في المدرجات، وهو رقمٌ ترجّح التقديرات بأنه سيكون أقله 30% وأعلاه 70%، وسط استبعاد تماماً فكرة إقامة أي مباراة أمام مدرجاتٍ مختلفة، خصوصاً أن خطط التلقيح في بلدانٍ أوروبية تمتد حتى نهاية السنة الحالية.
وانطلاقاً من هذا الأمر سيعمل الاتحاد الأوروبي للعبة بشكلٍ وثيق مع الحكومات الأوروبية التي يبدو بعضها مصرّاً على إلغاء فكرة استضافة أي مباراة، ما قد يُدخل أيضاً بلداناً جديدة على لائحة الاستضافة، وخصوصاً تلك التي لا تمانع استقبال المنتخبات وحتى الجماهير، لتستغلّ بالتالي الفرصة وتضع نفسها على الخارطة الكبيرة.
هذا الحل قد يكون منقذاً للاتحاد الأوروبي لأنه يعلم سلفاً بأن الحكومات تتعامل بحزمٍ مع موضوع مكافحة «كورونا»، وستصدر قرارات صارمة من دون إعارة أي اهتمام لكأس أوروبا ولو أنها كانت في الماضي القريب تجهد وتدعم اتحاداتها الوطنية في محاولةٍ لاستضافة النهائيات والاستفادة من أرباحها الناتجة من تحرّك العجلة الاقتصادية على مستويات مختلفة.
طبعاً الإرباك هو العنوان حالياً، إذ إن خطط «اليويفا» كانت تقضي برسم صورة واضحة حول البطولة ووضعها اللوجستي مطلع الشهر الحالي، لكن الموجة الجديدة من «كورونا» ضربت كل المخطط وفرضت على الجميع الانتظار والتمسّك بأمل عدم الإلغاء والإبقاء على خطةٍ رديفة تقضي في أسوأ الأحوال بمنح بلدٍ واحد شرف الاستضافة شرط أن يكون قادراً على احتضان 24 منتخباً من دون تقصير، وقد رُشحت ألمانيا وفرنسا وإنكلترا وروسيا لهذه المهمة الإنقاذية في حال اللجوء إليها، وذلك على اعتبار أنها تملك بنية تحتية رياضية وفندقية على مستوى عالٍ وتليق باستضافة بطولةٍ بهذا الحجم.
كأس أوروبا ستقام؟ هذا ما يأمله الكل، وهو من مصلحة كرة القدم أيضاً، والعالم إذا صحّ التعبير لكي يسجّل انتصاراً آخر على الوباء اللعين.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا