‎عادت الأنظار لتتجه إلى موضوع المنشّطات في كرة القدم بشكل خاص والرياضة بشكل عام خلال آخر أسبوعين، بعد أن انتشر في الإعلام خبر مفاده أن حارس مرمى نادي أياكس الهولندي، الكاميروني أندريه أونانا، قد نال عقوبة من الاتّحاد الأوروبي لكرة القدم تقضي بإيقافه لمدة عام كامل عن اللعب، بسبب «سقوطه» في فحص للمنشّطات كان قد خضع له في تشرين الأول - أكتوبر الفائت، وظهور عيّنات من مواد ممنوعة الاستخدام في بوله.

اعتراض أونانا على العقوبة وادعاؤه أنه تناول المادة الممنوعة عن طريق الخطأ، حين ابتلع إحدى أقراص زوجته ظنّاً منه أنها حبة أسبرين، لم يشفع له.
في العادة وكما هو معروف في عالم الرياضة، فإنّ تهمة تعاطي المنشطات تشكّل نقطة سوداء في سجل أيّ رياضي، وهي كفيلة بتشويه سمعته ومسيرته. كما أن ثبوت تعاطي أحدهم لهذه المواد كافٍ ليس لتشويه سمعته فقط، بل من الممكن أن يضع مصداقية أرقام هذا اللاعب أو إنجازاته موضع شكّ إلى الأبد في نظر المتابعين. ولكن أليس هناك نوع من الإجحاف في النظرة إلى الرياضيين المحترفين وفي سرعة الحكم عليهم في حال ثبوت تعاطيهم للمنشّطات؟ أليس هناك مذنبون آخرون في هذه القضية غير أونانا وأمثاله من الرياضيين المغضوب عليهم؟
مسألة بحث الرياضيين عن الأفضلية في مواجهة الخصم هي مسألة قديمة بقدم الرياضة نفسها، ولو بسبل ملتوية بعض الشيء. فعلى سبيل المثال، كان المصارعون الإغريق يدهنون أجسادهم بالزيت لكي يصعّبوا على خصمهم الإمساك بهم بإحكام، وقد تكون هذه من أحدى محاولات الغشّ الأولى المسجّلة في الرياضة. والدافع لاعتماد وسائل كهذه ليس الرغبة بالفوز فحسب، فالرياضي يدرك أن بإمكانه المحاولة مرة أخرى في الأيام العادية، ولكن عندما يشارك في منافسة كالألعاب الأولمبية، فإنه يكون على يقين أن الفرصة قد لا تأتي مرة أخرى، ولذلك يسمح البعض لنفسه بتخطّي الخطوط الحمراء من أجل تجنّب حمل خيبة الخسارة مدى الحياة.

الأرباح أولاً
في هذه الأيام لم تعُد الأمور بهذه البساطة، فالمال والشركات الكبرى هي من يتحكّم بمفاصل الرياضة، وكنتيجة طبيعية لهذا الأمر فإن الأرباح والمكاسب الماليّة هي الهدف الأهم للمنظّمات الدولية والأندية كافة. وفي منظومة كهذه تشترك فيها المنظمات والشركات لاستغلال الرياضيين، لم يعد الرياضي سوى أداة في أيديها بأحسن الأحوال، تستحصل على أكبر قدر ممكن من الأموال من مسيرته، مع ما يعنيه ذلك من زيادة عدد المباريات إلى أقصى حد والإصرار على مشاركة غالبية النجوم في هذه المباريات. ويصل عدد المباريات التي يخوضها لاعب كرة القدم على أعلى مستوى في أوروبا، مثلاً، إلى ثلاث مباريات أسبوعياً وعلى أسابيع متتالية. وإن كان اللاعب يركض ما يقارب العشرة كيلومترات في كل مباراة، فإنه مضطر بذلك للركض لأكثر من ثلاثين كيلومتراً كل أسبوع! وإن تلكأ اللاعب أو تعرّض لإصابات كثيرة نتيجة الإجهاد الجسدي، فذلك سيجعله حتماً يخسر مكانته في الفريق، والامتيازات المالية والدعائية التي تأتي معه. وطبعاً تأتي المباريات الدولية للمنتخبات الوطنية لتزيد من الضغوطات على اللاعبين المرهقين أصلاً وتضع حملاً جسمانياً يستحيل على الإنسان الطبيعي تحمّله. ولعل أفضل من وصف حال اللاعبين هو المدرب الإسباني الشهير بيب غوارديولا، عندما قال منذ أربع سنوات معترضاً على فكرة زيادة عدد المنتخبات المشاركة في كأس بطولة كأس العالم من 32 إلى 48: «نحن نقتل اللاعبين بجدول المباريات هذا».

تهمة تعاطي المنشّطات تشكّل نقطة سوداء في سجل أيّ رياضي


والأمر نفسه ينطبق على لاعبي رياضات أخرى، فمحترفو دوري كرة السلة الأميركية مثلاً، يضطرون للعب 82 مباراة على الأقل خلال ثماني أشهر فقط، وفي حال تقدّم فريق ما إلى الأدوار الإقصائية، فإنّ عدد المباريات قد يتجاوز المئة.
الثقافة الاستهلاكية قد تكون موضع لوم أيضاً هنا، فالعالم يتعامل مع الرياضة كباقي السلع التي يدفع مقابلها للتسلية. فدائماً ما تمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي بالمنزعجين، والجماهير المشتكية من غياب مباريات فريقها المفضل خلال أسبوع المباريات الدولية، أو خلال العطلة الشتوية التي تتوقّف فيها الدوريات الكبرى لأسبوعين. الجمهور يطلب المباريات باستمرار كمن يطلب الطعام الجاهز أو يشاهد المسلسلات، بدون توقف وبشكل يشبه الإدمان، فيكفي أن ترى العدد الكبير من المقاهي القائمة على جذب متابعي كرة القدم، لتدرك مدى انتشار هذه الثقافة، وكم من السهل تحويلها إلى ربح مادي.
‎بعد كل ما ذُكر أعلاه من عوامل غير رياضية تدخل في صنع القرارات داخل الاتحادات والمنظمات الرياضية العالمية، هل يحق للجمهور الحكم على من يتعاطى المنشطات داخل الملاعب ووصمهم بالعار طيلة حياتهم، حتى بعد الاعتزال؟ ألا تعمل الشركات الكبرى الراعية بالتعاون مع الهيئات الناظمة المشرفة على الرياضات على امتصاص كل قطرة طاقة من الرياضيين بشكل غير صحي؟ أليس المشاهد بمطالبته الدائمة بالتسلية، المحرك لهذه المنظومة الربحية الضخمة القائمة على أكتاف اللاعبين؟ وبالتالي أليس من الأفضل تجنّب الحكم الأخلاقي على اللاعبين وتشويه صورتهم، مكتفين بعقوبة الإيقاف ضد من تثبت إدانتهم؟
هذا النص لا يهدف للدفاع عن متعاطي المنشطات، إنّما لوضع الأمور في نصابها المنطقي، فالمنشّطات ليست سوى نتيجة طبيعية للظروف التي يلعب في ظلها هؤلاء الرياضيون.
‎الإعلام الأميركي لا يزال يقاطع بطل الدراجات الهوائية سبع مرات، الأميركي لانس أرمسترونغ، الذي ثبت تعاطيه للمنشّطات عام 2012، فسُحبت منه كل ألقابه وقاطعته وسائل الإعلام وتم تلطيخ سمعته، لكن أفضل ردّ على هذه الحادثة جاء على لسان الكوميدي الأميركي، بيل بُر، الذي لخّص الأمر ببراعة سائلاً القيّمين على اللعبة: «هل سيعيدون أموالهم ويخوتهم التي جنوها من وراء اسمه؟ أم سيحتفظون بها؟» وقد تستعمل هذه الجملة لتلخيص «بيزنس» الرياضة اليوم.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا