ما إن انتهت مباراة ألمانيا وتركيا الودية (3-3) حتى خرجت إحدى القنوات المحلية الألمانية الأساسية لتطرح سؤالاً على متابعيها: ماذا تقولون ليواكيم لوف؟

الجواب كان واضحاً من قبل الأكثرية الساحقة ويُختصر بكلمتين: ارحل واستقل.
هذا الجواب لم يكن مفاجئاً أبداً، لا بل تعزّز أكثر بعد تعادلٍ مخيّب جديد أمام سويسرا (3-3) في دوري الأمم الأوروبية لكرة القدم، ما يعني أن «ألمانيا العظيمة» تلقّت 6 أهداف في مباراتين، ولم تحقق سوى فوزٍ وحيد في مشوارها القاري حتى الآن.
فوزٌ كان على منتخبٍ أوكراني مثقل بإصابات عددٍ كبير من لاعبيه بفيروس «كورونا»، لا بل إن هذا الفوز أعاد إلى المشهد ما قاله لوف عقب الخروج الصادم من نهائيات كأس العالم 2018 وفقدان «المانشافت» للقب، حيث شدّد على أنه ينوي إعادة بناء المنتخب. لكنّ النتيجة الأوليّة كانت عدم تحقيقه أي فوزٍ في النسخة الأولى من دوري الأمم، وبقاءَه من دون أي انتصار في النسخة الثانية حتى فوزه على الأوكرانيين، في وقتٍ لم يتمكن فيه من التغلّب، في مباراتين، على منتخبٍ سويسري متراجع مقارنةً بالعام الماضي عندما بلغ نصف نهائي المسابقة المستحدثة.
الواقع أنه ومنذ الفترة التي سبقت انطلاق مونديال روسيا، كان هناك شعور عند متابعي المنتخب الألماني عن كثب بأن لوف أصيب بإفلاسٍ تام لناحية الأفكار الفنية التي يمكنها النهوض بالمنتخب الذي قاده إلى اللقب العالمي الرابع في تاريخه عام 2014.
هذا اللقب لم يعد يعني شيئاً بالنسبة إلى محبي الألمان، وخصوصاً أن صورة المنتخب القوي لم تعد موجودة إطلاقاً بل حلّت مكانها صورة منتخبٍ مهزوز وضعيف الشخصية من دون هوية أو فلسفة كروية، إذ أن ورشة التغيير التي أطلقها لوف أضرّت بالمنتخب أكثر مما أفادته.
وبالتأكيد يبدو ما حصل أمام سويسرا يُعدّ مؤشراً ودليلاً على حجم المأساة التي يعيشها منتخب لوف، حيث يمكن الإشارة بالدلائل إلى عمق المشكلات الناتجة من خياراته السيئة جداً.

غياب القيادة الكلاسيكية
ما يمكن الاتفاق عليه أن منتخب ألمانيا يفتقد إلى القيادة في أرض الملعب، إذ أن لاعب الوسط طوني كروس (خاض مباراته الدولية الرقم 100) مثلاً لا يلعب هذا الدور رغم قدراته الفنية، فهو لا يهضم أحياناً فكرة أن يخطئ أحد زملائه في تمرير الكرة، وقد ظهر في لقطات عدة ممتعضاً من هذا الأمر. هو أصلاً سبق وانتقد علناً قبل عامين عدم ارتقاء اللاعبين الشبان إلى مستوى التحدي خلال مباراة ودية لعبها «المانشافت» أمام البرازيل.
كذلك لا يمكن لخليفته المرتقب في قيادة الوسط جوشوا كيميتش (خاض مباراته الدولية الرقم 50) لعب دور القائد بحكم صغر سنّه، ولو أنه يتمتع بشخصية قوية. تلك الشخصية التي كانت حاضرة غالباً في كل المنتخبات الألمانية سابقاً، والتي كانت إحدى سمات تفوّق الألمان على خصومهم. ففي المنتخب الحالي ليس هناك قائد يدير اللعبة من الخلف على صورة «القيصر» فرانتس بكنباور، أو على شاكلة بطل مونديال 1990 لوثار ماتيوس، ولا حتى قائد يشبه ميكايل بالاك أو فيليب لام.

منتخب لوف مهزوز وضعيف الشخصية من دون هوية أو فلسفة كروية


في المنتخب الحالي استبعد لوف أبرز مدافعي ألمانيا في مونديال 2014 ماتس هاملس الذي كان بإمكانه لعب دور القائد الموجّه. كما استبعد أكثر اللاعبين خبرةً والأكثر ثباتاً في المستوى منذ أكثر من عام وهو توماس مولر الذي يمكنه بثّ روح الحماسة والروح القتالية في المجموعة في أي ظرفٍ كان.
عناد لوف بقي حاضراً بتجاهل استدعاء النجمين المذكورين، لكن الأسوأ هو خياراته الفنية إن كان على صعيد الأسماء أو على صعيد الاستراتيجية في كل مباراة حيث ظهر الدفاع أشبه بمصيبة حقيقية، ما يرجّح ارتفاع عدد النكسات في الفترة المقبلة.

خيارات سيئة وتبديلات أسوأ
ففي المباراة أمام سويسرا قرّر لوف اختيار أنطونيو روديغر في مركز قلب الدفاع، وهو اختيار مفاجئ كون الأخير لم يعد ضمن الخيارات الأساسية لفريقه تشلسي الإنكليزي الذي كان مستعداً للاستغناء عنه لو اتفق مع توتنهام هوتسبر أو أي فريقٍ آخر على البنود الشخصية لعقده. كما أن تشلسي استقدم البرازيلي تياغو سيلفا رغم تقدّمه في السن ومنحه دوراً أساسياً بعد اعتبار مدربه فرانك لامبارد أن روديغر لم يعد اللاعب نفسه القادر على تأمين خط الظهر. وعدم جهوزية اللاعب بدت بلا شك في لقطة الهدف الثاني، حيث لو قدّر بشكلٍ صحيح لحظة سقوط الكرة التي لعبها ريمو فرويلر من فوق الحارس مانويل نوير لتمكّن من إبعادها قبل أن تهزّ الشباك.
أما الخيار الآخر دفاعياً فكان ماتياس غينتر، الذي لم يستطع في أكثر من 30 مباراة دولية إثبات نفسه كمدافع كبير رغم استدعائه للمنتخب في سنٍّ صغيرة، ورغم فوزه بلقب كأس العالم من دون أن تكون له مشاركة فعّالة وقتذاك. ويكفي أن يلعب غينتر لفريقٍ غير منافس على اللقب في «البوندسليغا» أي بوروسيا مونشنغلادباخ لكي يكون خارج الحسابات الأساسية للمنتخب، حيث يفضّله لوف اليوم على نيكولاس شوله الذي ما إن عاد من غيابٍ طويل بسبب الإصابة حتى استعاد سريعاً مركزه الأساسي مع بايرن ميونيخ بطل ألمانيا وأوروبا رغم المنافسة الكبيرة التي واجهها من أسماء لها ثقلها في التشكيلة.
وبغضّ النظر عن أن الأسماء الموجودة في خطَّي الوسط والهجوم هي الأفضل حالياً، فإن طريقة لعب لوف لم تسمح لهؤلاء النجوم في إخراج الأفضل منهم بل عابهم اللعب الجماعي وإيجاد بعضهم البعض بسهولة على أرضية الميدان، وهو الأمر الذي خلق مساحاتٍ فارغة امتدت إلى منطقة الجزاء حيث استباح السويسريون الشوارع المفتوحة أمامهم وهدّدوا مرمى نوير مراتٍ عدة.
وتضاف إلى هذه النقطة أن لاعبي الوسط والهجوم اعتمدوا على العفوية في التصرّف على أرض الملعب، فظهر ثلاثي بايرن كيميتش وليون غوريتسكا وسيرج غنابري وكأنهم لا يعرفون بعضهم البعض، ولو أن كلاً منهم قام بمجهودٍ بدني كبير، لكن طريقة اللعب المعتمدة لم تسمح لأيٍّ منهم بتقديم ما يقدّمه فردياً وجماعياً مع الفريق البافاري.
كما يمكن إضافة مشكلة أخرى وهي تبديلات لوف وقراءته للمباراة، فهو استعان بمارسيل هالستنبرغ كبديلٍ مفضّلاً روبن غوسنس الأقل خبرة أساسياً، وما إن شارك الأول حتى بدا أنه بحاجةٍ إلى وقتٍ طويل للدخول في أجواء اللقاء فقدّم أسوأ أداء له منذ استدعائه إلى المنتخب. أضف أن لوف تأخّر كثيراً في إشراك جوليان دراكسلر الذي شكّل خطورة واضحة على المرمى السويسري وتمتع بحيوية كبيرة، كان من المفترض تقديرها قبل المباراة لإشراكه لوقتٍ أطول خلالها. وواصل لوف اتخاذ القرارات السيئة بإشراكه إيمري جان بدلاً من الاستعانة بجوليان براندت مثلاً في ظل عدم وجود لاعبٍ مهاري وخلّاق بغياب ليروي سانيه، وحيث كانت الحاجة كبيرة إلى لاعبٍ يجيد المراوغة واختراق التكتلات الدفاعية.
إذاً قراءة المنتخب الألماني لمحبيه وخصومه ليست صعبة جداً، لكن قراءة لوف للأمور تعكس جهلاً مرعباً، لكن الأكثر رعباً بالنسبة إلى مشجعي ألمانيا هو أن الاتحاد المحلي لا يزال متمسكاً به رغم إصرار الكلّ في الصحافة والرأي العام على أن زمنه قد ولّى.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا