قبل 7 أعوام اتّخذ الويلزي غاريث بايل «القرار الحلم» بالنسبة إلى أيّ لاعب عندما وافق على الانضمام إلى ريال مدريد الإسباني، تاركاً توتنهام هوتسبر الإنكليزي. ذهب بايل إلى النادي الملكي وحصد الألقاب المختلفة وسجّل أكثر من 100 هدف، وسطّر نجاحات عدة، لكن بدا غالباً أن الجناح المميز لم يترك العاصمة الإنكليزية لندن أبداً.

في الموسمين الأخيرين عاش بايل «جحيماً» في مدريد، حيث أراد النادي التخلّص منه، وأراد هو أيضاً أن يرحل باتجاه إنكلترا مجدداً. جلس في المنزل ولعب الغولف وانتظر. لكنّه لم يكن ينتظر عروض الأندية المختلفة بل نادياً واحداً على وجه التحديد وهو توتنهام بالذات.
بالفعل، قام بايل بنقلةٍ في الاتجاه المعاكس قافلاً إلى ملعب «السبرز» مجدداً، ورافضاً عروضاً أخرى أبرزها من مانشستر يونايتد الذي كان الأكثر جديّة بالحصول على خدماته، لا بل إنه استفسر عن نيته قبول القدوم إليه في الموسم الماضي من دون أن تحقق خطوته أي نجاح. ففي تلك الفترة كان بايل ينتظر توتنهام لا أحد آخر، وينتظر أن يؤمّن النادي اللندني المال اللازم لدفع راتبه المرتفع، وقد وصل إلى ما أراده، وهو الذي لم يكن ليفضّل أيّ أجواء أخرى على تلك التي اختبرها عندما مرّ بأولى فترات التألّق في مسيرته بالقميص الأبيض.
صحيح أن بايل عاد إلى فريقٍ مختلف إن كان بلاعبيه أو بمدربه، وسيرتدي أيضاً رقماً مختلفاً (القميص رقم 9 بدلاً من 11)، لكنه يعلم أنه بعد الفترة العصيبة التي عاشها مع ريال مدريد بات يحتاج إلى راحة البال والعيش بسلام في أجواء حيث يشعر أنه محبوب، وهي الأمور التي سيحصل عليها بلا شك في توتنهام، حيث يعتبر الجمهور أنه أفضل لاعبٍ مرّ على النادي في العقد الأخير.
بطبيعة الحال، أجواء الكرة الإنكليزية عاطفية، وهي تشدّ النجوم للعودة إليها، وتعيد إليهم حنين سنوات خلَت، علماً أن لكلّ نادٍ أجواءه الخاصة، إذ حتى لو انتقل أي نجمٍ إلى نادٍ ضمن الدوري الإنكليزي، فهو سيرغب بالعودة إلى المكان الذي ترك لديه مشاعر جميلة. ومن الأمثلة الكثيرة حول هذا الموضوع في العصر الحديث كان النجم واين روني الذي ترك ناديه الأم إفرتون لمدة 13 عاماً، فتألق مع مانشستر يونايتد ثم عاد إلى «التوفيز» لاعباً مخضرماً، ليتذوّق متعة اللعب بالقميص الأزرق قبل أن يخوض مغامرة جديدة خارج البلاد بانتقاله إلى دي سي يونايتد الأميركي.
ومن الولايات المتحدة عاد النجم الفرنسي تييري هنري فوافق على اللعب بالإعارة من نيويورك ريد بولز عام 2012، لمدة شهرين فقط مع النادي الأحب إلى قلبه أي آرسنال. حماسته عامذاك كانت تشبه إطلالته الأولى مع «الغانرز» عندما وقّع له عام 1999، فما كان منه إلا أن وضع بصمة بعد 10 دقائق فقط على نزوله احتياطياً أمام ليدز يونايتد في كأس إنكلترا، مسجّلاً هدفاً جميلاً ليجدّد قصة الحب مع القميص الأحمر وجمهوره الذي نصّبه ملكاً على لندن، وأطلق عليه لقب «كينغ هنري».

أسباب عاطفية ونفسية وراء عودة اللاعبين إلى الأندية التي نشأوا فيها أو تألقوا معها


الدوري الإنكليزي الممتاز أصلاً يحمل تحدّياً لا نهاية له بالنسبة إلى النجوم الذين اختبروه، فأراد بعضهم تحدّي سنّه والعودة إليه لمعرفة ما وصل إليه على صعيد المستوى، بينما أراد البعض الآخر العودة حبّاً بالنادي الذي نشأ أو تألّق فيه، وأيضاً لإثبات نفسه من جديد أو إذا عجز عن دخول دائرة الأضواء قبل رحيله.
من هؤلاء اللاعبين الفرنسي بول بوغبا الذي خسره مانشستر يونايتد بمبلغٍ زهيد عام 2012 لمصلحة يوفنتوس الإيطالي. لكن رغم أن الأخير أطلق بوغبا إلى الشهرة وأعطاه فرصة كبيرة للتألق، فإن لاعب الوسط القوي أصرّ على العودة إلى «أولد ترافورد» كونه حلم دائماً أن يقف كنجمٍ كبير في «مسرح الأحلام». فعلاً هو حصل على ما أراده بعد 4 سنوات على تركه النادي الإنكليزي حيث يقاتل لإثبات بأنه أحد أفضل اللاعبين الذين مرّوا في تاريخ النادي.
وبالحديث عن الأكاديميات والمواهب التي أفلتت منها، لا بدّ من التوقّف عند أكثر أكاديمية خرّجت المواهب وخسرت عدداً لا بأس به منها في الأعوام الـ 15 الأخيرة. هي أكاديمية «لا ماسيا» الخاصة بنادي برشلونة الإسباني، الذي يتخطى حبّ خريجيه له مسألة اللعب مع نادٍ كبير، إذ لا يخفى أن أي لاعبٍ ترك «البرسا» يافعاً أراد العودة إليه لتحقيق حلم الطفولة بحسب ما قال العديد منهم، وأشهرهم طبعاً المدافع جيرار بيكيه ولاعب الوسط سيسك فابريغاس اللذان تركا «الجنة الإنكليزية» وعادا إلى مسقط رأسيهما للدفاع عن ألوان «البلاوغرانا».
هما أرادا حسم الجدل الذي طفا لفترةٍ من الفترات حول عدم استحقاقهما فرصة اللعب مع الفريق الأول، لكن غيرهما من اللاعبين عاد طمعاً بالنجومية التي فقدها في مكانٍ آخر، تماماً على غرار ما فعل دييغو كوستا بعودته إلى أتلتيكو مدريد الإسباني بعد نبذه في تشلسي الإنكليزي من قبل المدرب الإيطالي انطونيو كونتي. وكذا ابن نادي العاصمة الإسبانية فرناندو توريس الذي ما أن هبط مستواه بعد سنواتٍ طويلة بعيداً من «الليغا» حتى أراد العودة إلى ناديه الأم كونه يعلم بأن حب الجمهور اللامتناهي له سيجعله يغض النظر عن وضعه الفني، والدليل أنه في يوم تقديمه سجّل رقماً قياسياً في عدد المشجعين الذين احتشدوا في الملعب لاستقباله.
إذاً هي مسألة نفسية، اذ ليس بالضرورة أن يفوز اللاعب بالألقاب أو يلعب دوراً أساسياً ليكون سعيداً مع ناديه، وهو ما ثبت في حالاتٍ عدة، تماماً على غرار ما حصل مع المدافع الألماني ماتس هاملس الذي ترك النادي الذي يحلم أي لاعب في ألمانيا باللعب معه أي بايرن ميونيخ، ليعود إلى بروسيا دورتموند حيث لطالما شعر بتقديرٍ أكبر واعتُبر قائداً ورمزاً.
إذاً هو موسم العودة إلى الجذور أو إلى «الحب الأول»، إذ إن بايل لم يكن الوحيد الذي فعلها، فالنجم الهولندي أريين روبن عاد عن اعتزاله للانضمام إلى غرونينغن أي الفريق الذي سجل بداياته معه، وذلك بعد 18 عاماً على تركه له. أما النجم السويدي زلاتان ابراهيموفيتش وبعد موافقته على ارتداء ألوان ميلان مجدداً، لم يمانع إطلاقاً تجديد ارتباطه به لسببٍ بسيط وهو أنه يشعر باحترام الإدارة والجمهور له رغم تقدّمه بالسن، وبالتقدير لكل ما قدّمه سابقاً وما يقدّمه حالياً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا