يبدأ موسم 2020-2021 في «البوندسليغا» أقوى من أي موسمٍ آخر بالنسبة الى البطولات الوطنية الكبرى، فالكرة الألمانية كسبت احترام وتقدير الجميع في العالم عندما أعطت درساً في كيفية مقاومة وباء «كورونا» وإطلاق المنافسات بطريقة لا تشوبها أي شائبة.

من هنا، كان الألمان سبّاقين في استئناف بطولتهم عقب التوقف القسري وإنهائها قبل الجميع، ما يعني أن الفرق (ما عدا تلك التي لعبت المسابقتين الأوروبيتين) حصلت على فترة راحة لمدة 6 أسابيع، الأمر الذي منحها الفرصة للاستعداد بشكلٍ جيّد، وهي مسألة ستنعكس بشكلٍ إيجابي على المستوى الفني العام في دوري يضمّ الكثير من المواهب الرائعة.
دوري يعيش على غيمة الازدهار المتواصل، إذ رغم الأزمة العاصفة التي تركت أثرها السلبي مالياً على كل البطولات المتوقفة بسبب تفشي «كورونا»، كان الألمان يوقّعون عقداً تلفزيونياً بقيمة 4.4 مليارات دولار، ما سيعود بالفائدة على الأندية ويؤمّن بشكلٍ كبير استمراريتها.
لكن يبقى السؤال المطروح: هل هناك من يستطيع إيقاف «البطل الدائم» بايرن ميونيخ؟
الجواب سيكون لا، برأي الأكثرية الساحقة في أي مكانٍ، وهو ما يعرفه خصوم الفريق البافاري الذين شاهدوه يرفع درع الدوري في المواسم الثمانية الماضية، بغضّ النظر عن الظروف والتغييرات التي مرّ بها.

الكل ضد بطل أوروبا
بايرن هو الفريق الأفضل في أوروبا، حيث لم يتمكن أي أحد من إيقافه في الموسم الماضي، محققاً الانتصارات في كل مبارياته. كما بدا أقوى بعد العودة من التوقف وسحق خصومه واحداً تلو الآخر حتى بلغ المباراة النهائية ورفع الكأس الأوروبية.
قوة بايرن لا تكمن فقط في التاريخ الكبير الذي يقاتل من أجله كل النجوم الذين يرتدون قميصه، بل في العمل الذي يتمّ في المكاتب حيث نجح النادي البافاري في الحفاظ على كل نجومه، لا بل أضاف إليهم ليروي سانيه المفترض أن يشكّل إضافةً كبيرة لتشكيلة المدرب هانزي فليك.
هذا الأخير استفاد كثيراً من وجود شبان جائعين في تشكيلته، إذ اختار سبعة ممن هم بعمر الـ 25 أو ما دون في غالبية المباريات التي سمّى فيها اللاعبين الأساسيين. كما وجد حلاً بديلاً في كل مركزٍ تقريباً، إذ حتى عند غياب البولندي روبرت ليفاندوفسكي، تمكن من الاستفادة من الهولندي الشاب جوشوا زيركزي الذي سجّل أهدافاً حاسمة. لكن وجود الأخير قد لا يكفي لملء أي فراغ يخلّفه «ليفا» الذي اعتبر كثيرون أنه كان أفضل لاعب في العالم في الموسم الأخير، ما يحتّم التفكير في التعاقد مع رأس حربةٍ بديل، وهي مسألة مجمّدة في الوقت الحالي حيث ينصبّ تركيز فليك على ضمّ ظهيرٍ أيمن وجناحٍ إضافي.
وبغضّ النظر عن استقدام بايرن أي نجمٍ آخر، فإن بطل الثلاثية لا يشعر بخطر كبير، إذ يبقى بوروسيا دورتموند الوحيد القادر على مقارعته بفضل تشكيلته الشابة والمليئة بالمواهب المختلفة الجنسيات.
دورتموند يشبه بايرن الى حدٍّ كبير، فإذا امتلك بايرن سانيه، فهناك الإنكليزي جايدون سانشو مع فريق مقاطعة الرور. وإذا تغنّى البافاريون بهدافهم ليفاندوفسكي، فهناك آخر على صورته مع «أسود فيستفاليا» أي النروجي إيرلينغ هالاند. كما أن الفريق مليء بالأسماء المحلية اللامعة، أمثال: ماتس هاملس، ماركو رويس، جوليان براندت وغيرهم.

يعيش الدوري الألماني على غيمة الازدهار المتواصل منتشياً بعقدٍ تلفزيوني قيمته 4.4 مليارات دولار


هؤلاء يضافون الى مجموعةٍ من المواهب الشابة المثيرة لحماسة أي متابع، أمثال: الأميركي جيوفاني راينا، والإنكليزي جود بيلينغهام. لكن قد تكون نقطة ضعف الفريق في مدربه السويسري لوسيان فافر الذي لم يفز بأي لقبٍ منذ إحرازه بطولة الدوري السويسري قبل 13 عاماً!
لذا ستكون أسهم دورتموند مرتفعة لإنزال بايرن عن عرشه، فقط إذا وقف الحظ الى جانبه وابتعدت عن لاعبيه الإصابات التي لاحقت أبرز نجومه في الموسم الماضي.

بطولة التأهل إلى أوروبا
خلف الثنائي القوي ستولد بطولة أخرى يمكن إعطاؤها عنوان صراع التأهل الى دوري أبطال أوروبا، وتُدخل في دائرتها فرقاً مثل: لايبزيغ، باير ليفركوزن وبوروسيا مونشنغلادباخ.
لايبزيغ الذي بلغ نصف نهائي دوري الأبطال، خسر سلاحاً هجومياً فتاكاً يتمثّل بالمهاجم الدولي تيمو فيرنر الذي رحل الى تشلسي الإنكليزي، وهي مسألة صعبة عليه لأنه لن يستطيع بسهولة تعويض النجم الذي سجل له 26 هدفاً ومرّر 8 كرات حاسمة قبل انتقاله الى «البلوز». كما أن هذا النادي أخطأ عندما تجاهل ضمّ التشيكي باتريك شيك نهائياً بعد استعارته من روما الإيطالي في الموسم الماضي، إذ إن الأخير هو الوحيد القادر على تعويض فيرنر، إضافةً الى أنه يملك الفرصة الكبيرة للتطوّر كونه لم يتجاوز الـ 24 من العمر.
لكن المدرب الشاب جوليان ناغلسمان يملك فلسفته الخاصة، حيث يفكر بالدرجة الأولى في كيفية الحفاظ على صلابته الدفاعية التي يمثلها الفرنسي دايوت أوباميكانو الذي أصبح مطارداً من قبل أكبر الأندية الأوروبية. هذا في وقتٍ يعلم فيه أن الإسباني داني أولمو وبعد رحيل فيرنر سيلعب دوراً أكبر بين الوسط والهجوم لإبقاء الفريق أقلّه بين الثلاثة الكبار في الدوري.
الواقع أن لايبزيغ أقرب الى بايرن ودورتموند من منافسيه في هذه الدائرة، وتحديداً ليفركوزن الذي خسر هذا الصيف أكثر مما كسب في سوق الانتقالات، إذ يكفي رحيل نجمه الصاعد بقوة كاي هافرتز الى تشلسي، ومهاجمه كيفن فولاند الى موناكو الفرنسي، ليكون قد فقد الكثير من قدراته الهجومية.
طبعاً، يحسب لليفركوزن أنه اقتنص شيك الذي سيلعب الدور الأكبر في الهجوم حيث توجد مواهب أخرى، أمثال: الفرنسي موسى ديابي، الجامايكي ليون بايلي والأرجنتيني لوكاس ألاريو. أضف إنه بعد رحيل هافرتز، هناك لاعب يمكن مراقبته وهو فلوريان فيرتز (17 عاماً) الذي ينتظر منه الكثير في الوسط الهجومي تماماً مثل الأرجنتيني إيزيكيال بالاسيوس الذي وصل في كانون الثاني الماضي ولم يحصل حتى الآن على الفترة الكافية للتأقلم مع أجواء الكرة الألمانية.
أما الفرق الأخرى على غرار مونشنغلادباخ وهوفنهايم فهي لم تسجّل أي ضجيج كبير في سوق الانتقالات، بل ستعمد الى البناء على ما لمسته من أسسٍ متينة في الموسم الماضي، فالأول لا شك في أنه سيتّكل على الثنائية الناجحة في الهجوم التي يمثلها الفرنسيان: الحسن بليا وماركوس تورام. أما الثاني فإن وقوفه بين الكبار يعتمد على الكرواتي أندري كراماريتش الذي يعدّ ثالث أفضل مهاجم في الدوري بعد ليفاندوفسكي وهالاند.

لائحة النجوم الصغار
وفي خضم الاستعراض الفني لوضع الفرق، تبرز نقطة مهمة جداً، وهي ارتفاع عدد المواهب الشابة المثيرة للاهتمام في الدوري الألماني، وخصوصاً تلك الوافدة من الخارج حيث تجد فرصةً لتطوير مستواها الفني وتقديم نفسها كنجومٍ الى الفرق الكبرى في أوروبا.
هذا ما دفع بيلينغهام (17 عاماً) مثلاً إلى تفضيل دورتموند على مانشستر يونايتد في بلاده، وهو بدأ بالفعل يخطّ طريقه نحو النجاح بسرعة، إذ هزّ الشباك أمام دويسبورغ قبل أيام في كأس ألمانيا، ليكون أصغر لاعبٍ يسجل في أول مباراة يخوضها بقميص فريقه الجديد.
وبالتأكيد، يأمل لاعب الوسط الهادئ السير على خطى سانشو، تماماً كما يريد راينا أن يخلف رويس يوماً، ويظهر على صورة مواطنه نجم تشلسي الحالي كريستيان بوليسيتش، ويضمن الانتقال الى نادٍ كبيرٍ آخر كما فعل ويستون ماكيني المنتقل حديثاً الى يوفنتوس، والمساهم أيضاً في تغيير صورة اللاعبين الأميركيين في كرة القدم، وذلك وسط ازدياد أعدادهم في الدوري الألماني بعد تزايد نجاحاتهم موسماً بعد آخر، فتطلّ اليوم أسماء لاعب لايبزيغ تايلر أدامس (21 عاماً)، ومدافع باير ميونيخ كريس ريتشاردز (20 عاماً) وغيرهم الكثيرون ممن يريدون إثبات أنفسهم في واحدةٍ من أصعب البطولات المحلية في العالم.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا