تعود قضية العنصرية إلى الواجهة من جديد في الملاعب الأوروبية. أسبوع تلو آخر، تأخذ هذه القضية حصّة الأسد من كلام الصحافة العالمية والرأي العام. اليوم، أصبح الأمر خطيراً أكثر من أي وقت مضى، العنصرية باتت واضحة تماماً وتمارَس في العلن داخل الملاعب الأوروبية، وتتكرّر بصورة مستمرة أيضاً، إن كان في إيطاليا أو في دول أوروبية أخرى. في إيطاليا الوضع كارثيّ، إذ لا تكاد تمرّ مباراة دون أحداث عنصرية، حتى أن بعض الإداريين ورؤساء الأندية دخلوا على الخط. ماريو بالوتيلي، مهاجم نادي بريشيا الإيطالي، هو آخر الضحايا، وهذه المرّة بطريقة مباشرة من رئيس ناديه ماسيمو تشيللينو. الأخير قال: «بالوتيلي أسود، وهو يحاول تنظيف نفسه وحلّ مشاكله»، ثم عاد النادي وحاول أن يبرّر كلام الرئيس.

قبل ذلك تعرّض بالوتيلي لهتافات عنصرية خلال إحدى مباريات الدوري، والتي جمعت بريشيا مع نادي هيلاس فيرونا، وكانت ردّة فعل مهاجم نادي ليفربول ومانشستر سيتي وميلان وإنتر السابق غاضبة. ركل بالوتيلي الكرة نحو جماهير الخصم، وكأنّ به يركل كل هذه الأفكار السيئة. حاول الانسحاب من المباراة التي توقّفت لعدّة دقائق، ولكنه عاد وتراجع بعد إلحاح زملائه. أكمل «بالو» اللقاء وسجّل هدفاً شخصياً، ولكنّه لم يحتفل به. «سوبر ماريو» تعرّض لهتافات عنصرية سابقاً في إيطاليا، فعندما كان لا يزال لاعباً في صفوف «الروسونيري»، لم يتمالك نفسه عندما خرج بديلاً في إحدى المباريات، وبدأ في البكاء، بسبب الهتافات العنصرية أيضاً. ذلك المشهد لا يغيب من ذاكرة عشّاق كرة القدم لقساوته بحق لاعب ظُلم كثيراً في الملاعب الإيطالية والإنكليزية. بعد حديث مع إدارة بريشيا يبدو أن اللاعب سيخرج من الفريق خلال سوق الانتقالات الشتوية المقبل.

القوانين غائبة
العنصرية يبدو أنها لن تتوقّف في الملاعب الأوروبية والإيطالية تحديداً، وذلك بسبب عدم وجود قوانين صارمة تدين هذه الظواهر «المتخلّفة». خلال الموسم الحالي، لم يكن بالوتيلي الضحية الوحيدة، فغيره من اللاعبين أصحاب الأصول الأفريقية تعرضوا للعنصرية أيضاً، بينهم مدافع نادي نابولي كاليدو كوليبالي، لاعب خط وسط نادي ميلان فرانك كيسييه، مهاجم إنتر ميلانو روميلو لوكاكو وميراليم بيانتش لاعب يوفنتوس. المفارقة هنا، أن جميع اللاعبين الذين تم ذكرهم، جميعهم من أصول أفريقية باستثناء البوسني بيانتيش، الذي تعرّض لنوع خاص من العنصرية، لكن، ما الرابط المشترك بين باقي اللاعبين؟
يفتخر اللاعبون الأفارقة المحترفون في أوروبا بأصولهم، وهذا من حقّ أيّ لاعب. ارتداء لاعب آرسنال الغابوني بيير إيمريك أوباميانغ لقناع شخصية «بلاك بانتر» خلال إحدى مباريات الدوري خير دليل على هذا الأمر. العنصرية قضيّة حيّة، وتلقى تفاعل الكثير من اللاعبين وغير اللاعبين. تتم إهانة لاعبي كرة القدم بسبب لون البشرة أو بسبب العرق دون أن يدافع أحد عنهم كما يجب. لا يمكن لاتّحادات الدوريات الأوروبية التي تظهر في ملاعبها هذه الهتافات والإساءات العنصرية، أن تبقى مكتوفة الأيدي هكذا. هي تقوم بإجراءات لا تأثير لها، ولا تساعد على الحدّ من هذه التصرفات. يقتصر الأمر على بعض الغرامات المالية، التي بإمكان أيّ نادٍ أوروبي دفعها، وبالتالي تمديد للأزمة.

اتّخذت الأندية الإيطالية قرارات خجولة في محاولة للحدّ من هذه الظواهر


اللافت أن العنصرية زادت في ملاعب الكرة الإيطالية منذ صعود زعيم «اليمين المتطرّف» ماتيو سالفيني، ودخوله الحياة السياسية بطريقة قوية. سالفيني، كان وراء تأسيس الـ«league Nord»، وهو حزب سياسي معروف بأفكاره اليمينية المتطرفة، ورفضه للاجئين والمهاجرين. زادت هذه الظواهر أخيراً، ما أدّى إلى صعوبة ردعها، ودخلت بقوة إلى إدارات الأندية وإلى ملاعب كرة القدم. وربما ما قام به رئيس نادي بريشيا مع بالوتيلي هو نتيجة لفائض القوة الذي بدأ يشعر به هؤلاء الأشخاص، خاصة أنه ليس هناك من يردعهم.

الكرة النسائية مستهدفة
خلال الأيام القليلة الماضية، خرجت لاعبة نادي تشيلسي الإنكليزي السابقة ولاعبة يوفنتوس الحالية، الإنكليزية إيني ألوكو عن صمتها هي الأخرى. «لقد تعاملوا معي في المطار وكأنني تاجرة مخدرات». كلمات، تعبّر عن مدى معاناة ألوكو مع واقع الحال في إيطاليا. هي لا تتحدّث عن نفسها فقط، بل عن الكثير من المضطهدين والمضطهدات في إيطاليا وفي أوروبا بصورة عامة. قالت أولكو إن إيطاليا من بين الدول الأوروبية التي يجب أن تتخلّص من هذه الظواهر المنتشرة بقوة في «بلاد النهضة». هي لن تبقى في إيطاليا بحسب ما قالت، ستنهي الموسم الحالي وستعود إلى العاصمة الإنكليزية لندن. هي ليست حالة فردية، فهناك الكثيرات من ألوكو في الملاعب الإيطالية، الملاعب التي تستفز اللاعبات واللاعبين أصحاب البشرة السمراء بصورة مباشرة ومتكرّرة في كلّ أسبوع. هذا الأمر سيدفع بهؤلاء اللاعبين واللاعبات جميعهم إلى الخروج من هذه الحالة التي يعيشونها يومياً في إيطاليا، تماماً كما فعلت ألوكو.
انتشار هذه الظاهرة حرّك الأندية أيضاً، فأصدرت أندية الدوري الإيطالي يوم الجمعة الماضي بياناً مشتركاً، مفاده «الاعتراف بوجود مشكلة العنصرية فعلاً في إيطاليا». وجاء في البيان أيضاً «إنها مشكلة لم نقُم بمحاربتها بالشكل الكافي على مرّ السنين، تمت مشاهدة صور اللاعبين الذين يتعرّضون للإيذاء العنصري في كرة القدم الإيطالية ومناقشتها في جميع أنحاء العالم، وتحديداً في هذا الموسم، إنه عار علينا جميعاً». موقف يمكن وصفه بـ«الخجول». كرة العنصرية في إيطاليا تتدحرج يوماً بعد يوم، وتحتاج لأكثر من بيان مكتوب، فهذه القضية باتت أكبر من ملاعب كرة القدم، هي قضية بلاد وثقافة ونظام.
لا يمكن لمثل هذه القرارت أن تغيّر من واقع الحال في إيطاليا، ولكي لا يكون التصويب فقط على هذه الدولة الأوروبية، لا بدّ من القول إن الملاعب الإنكليزية والفرنسية تشهد أحداثاً عنصرية هي الأخرى، ولم تنسَ الجماهير ما حصل مع لاعب مانشستر سيتي الإنكليزي رحيم ستيرلينغ قبل أسابيع قليلة.
في روسيا أيضاً لا يزال مالكوم البرازيلي لاعب برشلونة السابق مهمّشاً، وفي أوكرانيا خرج البرازيلي الآخر تايسون قائد شختار دونتسك باكياً من أرض الملعب، وغيرها الكثير من الحالات. القضية باتت كبيرة وهي بحاجة إلى حلّ لكي لا تتطور أكثر، وتصل إلى ما هو أبعد من العنصرية اللفظية.



الكرة الفرنسية تعاني
لم تغِب ظواهر العنصرية أيضاً عن الملاعب الفرنسية في السنوات الأخيرة. في عام 2015 صرّح مدافع منتخب «الديكة» السابق ليليان تورام أن ملاعب أوروبا وبينها فرنسا تعاني من العنصرية بشكل واضح، وهو ما يصعّب مهمة اللاعبين أصحاب الأصول الأفريقية. وخلال الموسم الماضي، تحديداً في نسيان/أبريل تعرّض المدافع الفرنسي في فريق أميان برنس غوانو لهتافات عنصرية من قبل جماهير ديجون، ما أدى إلى إيقاف المباراة لبعض الوقت، مع تهديد بإيقافها نهائياً. ويتعرّض عدد من اللاعبين الأفارقة في فرنسا للمضايقات والعنصرية، وهو ما بات يشعرهم بضرورة البحث عن دوريات أخرى.