تتكرر وقائع الاعتداءات العنصرية على لاعبي كرة القدم في الملاعب العالمية وتحديداً الأوروبية منها، بشكل مستمر. يكاد لا يمرّ أسبوع من دون أن تظهر ضحية جديدة للسلوك العنصري من قِبل المشجعين أو حتى ممّن هم في مواقع إدارية داخل الأندية. ومع عودة الدوريات الكبرى إلى سباق المنافسات هذا الشهر، فهذا يعني أنّ الجمهور على موعد مع حالات جديدة من الاستهدافات العنصرية، لا سيما مع انطلاق الدوري الإنكليزي. العنصرية التي أضحت الوجه المظلم لكرة القدم، بلغت معدلات قياسية في الأعوام الأخيرة. وأحدث ضحاياها كان اللاعب البرازيلي مالكوم، لكنّ الأكيد أنه لن يكون الأخير.


لم تكن بداية مشوار مالكوم مع فريق زينيت سان بطرسبرغ كما كان يتوقعها. جناح برشلونة السابق كان قد انتقل إلى صفوف زينيت مقابل 40 مليون يورو بعد عام غير موفّق في ملعب الكامب نو، حيث لعب 24 مباراة فقط مع الفريق الإسباني مسجلاً 4 أهداف. أمل اللاعب البرازيلي ببداية جديدة ومختلفة في الدوري الروسي، إلا أنّ الواقع كان مختلفاً. خلال مباراة زينيت ضد كراسنودار في أولى جولات الدوري الروسي الممتاز، والتي دخل فيها مالكوم بديلاً في الشوط الثاني، احتجّ مشجعو الفريق على توقيع النادي مع اللاعب البرازيلي، وذلك عبر رفع لافتة لنحو 10 دقائق كتبوا فيها: «شكراً للقيادة على ولائها للتقاليد». وهذه التقاليد المقصودة تتعلق بعدم التعاقد مع لاعبين من ذوي البشرة السمراء. إلا أنّ الأمر لم يقتصر عند هذا الحدّ، فقد حاول المشجعون تبرير عنصريتهم الوقحة، عبر إصدار بيان أصروا فيه على أنهم غير عنصريين، لكن التوقيع مع لاعب أسمر البشرة هو أمر «سيؤدي إلى ردّ فعل عنيف». ويقول البيان: «نحن لسنا عنصريين، وغياب اللاعبين السود هو مجرّد تقليد مهم، يؤكد على هوية النادي وليس أكثر من ذلك». وتستمرّ عقدة الفوقية بالتجلي في البيان، الذي اعتبر فيه المشجعون أنّ «نحن، كأحد الأندية الشمالية للمدن الأوروبية الكبرى، لم نكن متواصلين عقلياً مع أفريقيا، كما هو الحال مع أميركا الجنوبية أو أستراليا أو أوقيانوسيا». ويمضي البيان إلى القول: «الآن، يتم ضم لاعبي كرة القدم السود إلى زينيت بالقوة، وهذا لا يؤدي إلا إلى رد فعل عنيف». إلا أنّ المفاجئ فعلياً في هذه الحادثة ليس تصرف الجمهور أو حتى البيان الوقح أيضاً الذي أصدره، بل رد فعل النادي على هذا الاحتجاج. فقد كشفت تقارير صحافية أنّ إدارة نادي زينيت تستعد لعرض مالكوم للبيع في فترة الانتقالات الشتوية المقبلة، بسبب عدم تقبّل الجمهور له. الحادثة على غرابتها، إلا أنها ليست الأولى التي تشهدها الملاعب الروسية. لم يكن مالكوم أول من يتعرض للإساءة، وبالتأكيد أنه لن يكون الأخير. فقد ألقت جماهير كلّ من زينيت سان بطرسبرغ وكريليا سوفيتوف الموز تجاه الأسطورة البرازيلية روبرتو كارلوس في السابق، كما ودّعت الجماهير النيجيري بيتر أوديموينجي لاعب لوكوموتيف موسكو في آخر مباراة له مع الفريق بلافتة كُتب عليها شكراً مع صورة موزة! (في هذا التصرف محاولة لتشبيه اللاعبين بالقردة).

تزداد التصرفات العنصرية في مختلف الملاعب الأوروبية أخيراً


هكذا، أضحت الملاعب منصة كبيرة لاستعراض السلوكيات القبيحة ومنبراً لإطلاق الرسائل المسيئة. إلا أنّ هذه التصرفات العنصرية لا يقتصر حدوثها على المدرجات فقط، ولا تصدر فقط عن مشجعي الأندية. فقد أوقف نادي شالكه الألماني رئيسه كليمنس تونيس يوم الأربعاء لفترة ثلاثة أشهر على خلفية تصريحات عنصرية ضد الأفارقة. وكان تونيس قد أدلى بتصريح بشأن بناء المزيد من محطات الطاقة في أفريقيا على هامش منتدى كان يشارك فيه الأسبوع الماضي، معتبراً أنه «حينها سيتوقف الأفارقة عن قطع الأشجار وإنجاب الأطفال مع حلول الليل». الغريب في الأمر أنّه تم رفض اتهامات العنصرية بحق تونيس من قبل الهيئة المكلّفة، معتبرةً أن «لا أساس لها من الصحة»، لتكتفي بالتالي بعقوبة الإيقاف دون إقالته من منصبه. في هذا الأمر مفارقة، كيف تم إيقافه، في وقت تم نفي التصريحات؟

تظهر العنصرية بشكل جليّ في تصريح الرئيس الألماني(أ ف ب )

ورغم أنّ العنصرية تظهر بشكل جليّ في تصريح الرئيس الألماني، إلا أنّه دائماً ما يتم التغافل عن تصريحات كهذه من قبل الهيئات المفترض بها أخذ موقف حازم منها، لا سيما مع وجود عدّة لاعبين أفارقة في صفوف نادي شالكه أمثال السنغالي سالف سانيه والمغربي أمين حارث.
من روسيا إلى ألمانيا وليس انتهاءً بإنكلترا، شهد دوري الدرجة الأولى في إنكلترا أيضاً حالتَي عنصرية في الأسبوع الأول من انطلاق منافساته الحالية. وكما جرت العادة، تمرّ حوادث كهذه مرور الكرام مع بعض بالتنديد والاستنكار والتعاطف، ولكن دون أي رد فعل صارم أو الأخذ بإجراءات رادعة.
في قارة تتباهى باحترامها لحقوق الإنسان والمساواة بين البشر، تعكس هذه التصرفات ثقافة متجذرة لدى شريحة كبيرة من تلك المجتمعات تجاه الآخر المختلف معها في اللون والعرق والدين، مع الكثير من النظرة الفوقية تجاهه. لا شكّ أنّ مشكلة العنصرية تتأتى من جذور اجتماعية وتربوية بالأساس، والتخلص منها صعب للغاية داخل الملاعب، إلا أنه يمكن ردعها من خلال القرارات الصارمة وفرض العقوبات الجدية على المخالفين، وهو الأمر الذي نادراً ما يحدث.