يدخل بايرن ميونخ الموسم الجديد وهو المرشّح الأوّل للفوز بلقب الدّوري الألماني كالعادة، إضافةً لكونه أحد أبرز المنافسين للفوز بدوري أبطال أوروبا. لم يكن سوق الانتقالات صاخباً عند البافاريّين، إذ إنّهم اكتفوا بجلب «جوهرة» نادي شالكه الألماني ليون غوريتزكا، وخرج بدوره محارب خطّ الوسط أرتورو فيدال إلى برشلونة. يبدأ البايرن موسمه بكثيرٍ من التّكهّنات حول النّهج الّذي سيتّبعه الفريق تحت قيادة مدرّبه الجديد الكرواتي ـ الألماني نيكو كوفاتش. قلقٌ ما كان ليظهر لولا بدايات الموسم الماضي الكارثيّة رفقة المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، إذ إنّ بايرن ميونخ مرّ بسلسلة تخبّطات كانت الأسوأ في تاريخه الحديث.

وضعٌ أرعب عشّاق البافاريّين الّذي رأوا ناديهم العريق يتأرجح في سلّم التّرتيب. الأمر الّذي أجبر إدارة النّادي على إقالة كارلو وتعيين يوب هاينكس بشكل مؤقّت لينقذ موسم البايرن، وبالفعل استطاع هاينكس أن يعيد التّوازن للماكينة البافاريّة وأعاد استخدام «حرسه القديم» المتمثّل بأريين روبن وفرانك ريبيري إضافة الى خافي مارتينيز وتوماس مولر ليتوّج بنهاية الموسم بلقب الدّوري الألماني السّادس توالياً.
انتهت مهمّة المنقذ هاينكس مع نهاية الموسم، وبدأت الإدارة تبحث عن مدرّب يلائم منظومة وسياسة الفريق، فوقع الخيار على المدير الفنّي لنادي أينتراخت فرانكفورت الكرواتي نيكو كوفاتش الذي قدّم مستويات جيّدة وتمكّن من التّتويج بكأس ألمانيا الموسم الماضي على حساب ناديه الجديد بايرن ميونخ إضافة للتّأهّل إلى الدّوري الأوروبي.
يتطلّع عشاق بايرن ميونخ أن يكون نيكو كوفاتش الحلّ السّحري لفريقهم الذي عانى الأمرين في المواسم القليلة السابقة، ففي موسم 2013-2014 حل بيب غوارديولا مكان هاينكس، وقام بتغيير شكل وهوية الفريق تماماً وانتظر منه الكثيرون تحقيق دوري أبطال أوروبا، لكنه فشل في ذلك وقدّم استقالته، بعد ذلك حلّ مكانه المدرّب المحنّك الإيطالي كارلو أنشيلوتي الذي قضى أكثر من موسم على رأس الجهاز الفني، لكن الفريق انخفض مستواه جداً في موسمه الثّاني ما أجبر النّادي على إقالته في منتصف الموسم الماضي. ثلاثة أسماء كبيرة توالت على إدارة النّادي ولكنها لم ترضِ عشاق البافاري، فهل ينجح كوفاتش الّذي لا يملك اسماً كبيراً بين ملاعب الكرة في قيادة بايرن إلى الألقاب محلياً وأوروبياً؟
عام 2008 أقال نادي بايرن ميونخ مدرّب الفريق آنذاك يورغن كلينسمان. صرّح الرّئيس التّنفيذي للنّادي وقتها أنّ النّادي أخطأ بتعيينه مدرّباً للفريق نظراً إلى قلّة خبرته. المشهد يتكرر اليوم مع نيكو كوفاتش فمسيرة المدرّب الكرواتي بدأت بعد اعتزاله كرة القدم، حيث استهلّ مشواره في عالم التّدريب بالإشراف الفنّي على براعم نادي ريد بول سالزبورغ، بعد ذلك أصبح مساعداً في الفريق الأوّل عام 2011 بقرارٍ من المدرّب ريكاردو مونيز. عام 2013 شغل الأخوان كوفاتش منصب قيادة الدّكّة الفنّيّة لشباب كرواتيا تحت 21 عاماً، أداء المنتخب الجيّد للشّباب جعل من رئيس الاتّحاد الكرواتي للكرة دافور شوكر ينصّب كوفاتش لقيادة المنتخب الأوّل الّذي استطاع قيادة بلده الأم إلى الوصول لكأس العالم بعد الفوز على آيسلندا في الملحق بهدفين نظيفين.
أقيل المدرّب عام 2015 ووقّع لآينتراخت فرانكفورت واستمرّ مع النّسور حتّى موسم 2016-2017، حيث استطاع أن يحقّق كأس ألمانيا كأوّل لقب له في مسيرته التّدريبيّة. لكن طموحات بايرن ميونخ تختلف مع طموحات فرانكفورت بطبيعة الحال إذ إنّ كبير بافاريا مطالب دائماً بتحقيق الألقاب المحلّيّة مع الوصول لنصف نهائي دوري أبطال أوروبا على أقلّ تقدير.
وعلى نهج غوارديولا و أنشيلوتي، سيقوم كوفاتش بتغيير أسلوب بايرن ميونخ ليتلاءم مع أفكاره حيث سنرى الفريق يلعب بخطّة 3-4-1-2 وهو الأسلوب الّذي استخدمه المدرّب الكرواتي خلال معظم فترته التّدريبيّة حيث يرى به الأسلوب الأمثل للدّفاع والهجوم في آنٍ واحد. وتحقّق هذه الخطّة نقطتين أساسيّتين، التّوزيع الجيّد للاعبي الفريق على امتداد الملعب ما يتيح الخروج السّهل بالكرة والبناء السّليم للهجمة من الدّفاع للهجوم، إضافة إلى عرقلة هجوم الفرق المنافسة وذلك عن طريق الضّغط العالي للثّلاثي الأمامي مع تقدّم الظّهيرين في حالة الدّفاع لإحباط أي محاولة لنقل الكرة من اليمين لليسار وبالعكس.
وترى إدارة البايرن في أعين كوفاتش مستقبلاً مزهراً أكثر من كارلو وبيب، حيث أنّ عقليّة كوفاتش الألمانيّة ستمثّل السّبيل لتحقيق النّجاح رفقة العملاق البافاري. ولم تأتِ سياسة انتقال الثّقافات الكرويّة من البلاد الأخرى إلى قلعة بافاريا بثمارها على البافاريّين في الحقبتين السّابقتين فرأينا البايرن هشّاً في الدّفاع مع تيكي تاكا بيب، وغير متوازن مع أسلوب كارلو الإيطالي.
يجد كوفاتش نفسه أمام ثلاثة تحدّيّات في بايرن ميونخ، الأوّل مع ضغوطات الإدارة، والثاني مع طموحات الجماهير إضافةً إلى تحدّي السّيطرة على غرفة الملابس، وإذا استطاع الفوز بالتّحدّي الأخير سيكون من السّهل نسبيّاً إرضاء الجماهير والإدارة.
وضغوطات إدارة البايرن سهلة الاحتواء نسبيّاً، إذ باستطاعة أي مدرّب نيل ثقتها فور الفوز بلقب الدّوري الألماني الّذي يسهل تحقيقه إلى حدٍّ ما نظراً لكمّيّة الأسماء الموجودة داخل «الإمبراطوريّة البافاريّة» مع عدم وجود منافس شرس يقارع بايرن للمنافسة على اللّقب حتّى الرّمق الأخير. والسّرّ وراء تفضيل إدارة البايرن للفوز بالبطولات المحلّيّة على حساب الأوروبّيّة يكمن وراء المال ولا شيء غيره، فكما هو معروف أنّ ألمانيا هي المورّد الأوّل للاقتصاد الأوروبي، وتوجد فيها القوّة الاقتصاديّة الكبرى للشّركات، وتحقيق لقب الدّوري الألماني إضافةً إلى الألقاب المحلّيّة بشكل مستمرّ سيدعم بالتّالي الوضع المالي لخزينة النّادي مع قدوم عقود الرّعاية الكبيرة على غرار شركة telekom.
قد لا يوجد اسم كوفاتش بين أفضل 10 مدرّبين بالعالم حالياً، لكنّ الأسماء والخبرة ليستا شرطاً أساسيّاً لتألّق مدرّب من عدمه، يشهد على ذلك كلّ من غوارديولّا، وزين الدين زيدان اللذين حفرا اسميهما بالذهب في عالم التّدريب بسرعة كبيرة، فهل يسير كوفاتش على منوالهما ويجعل من نفسه رقماً صعباً في عالم التّدريب؟ الإجابة سنحصل عليها خلال الموسم المقبل.