لكل منتخب هويّة. حين يُذكر أمامنا المنتخب الألماني، تذهب أفكارنا مباشرة باتجاه «الجديّة في الأداء» والـ«ماكينات» الألمانية وعدم الاعتماد على لاعب واحد أو نجمٍ بكعب أعلى من باقي زملائه. تمّر بجانبنا كلمة إسبانيا، فلا يخطر في بالك سوى العصر الذهبي لهذه البلاد، من بطولة كأس الأمم الأوروبية في 2008 والتي تبعتها مباشرة البطولة الأغلى في تاريخ الكرة، كأس العالم في 2010. ولا يمكننا أن نغفل عن «التيكي تاكا» وبرشلونة والجيل الذهبي من تشافي وانييستا ودافيد فيا وفرناندو توريس وغيرهم. نصل إلى البرازيل، نصل إلى «آلهة» اللعبة وسَحَرتها، إلى الـ«فافيلاس» والأحياء الفقيرة التي تنجب يوماً بعد الآخر نجماً يدهش العالم كلّه بما لدى قدميه. الأرجنتين، أرجنتين مارادونا وليو ميسي وعظماء آخرين، غيفارا وغيره من الثوّار الذين حملوا رايته داخل الملعب من لاعبين كباتستوتا وكريسبو وكانيجيا وغيرهم. لكن عندما يصل بنا المطاف إلى الـ«طليان»، ما المتوقّع أن يخطر في بال أي متابع لكرة القدم ومشجّع لها؟ الإجابة سهلة جداً: «الكاتيناتشو» الإيطالي والفكر الدفاعي والهجمات المرتدة. فكر كونتي وساكي وليبي وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمتهم الإيطالية البحت في عالم كرة القدم. والعمل مستمر.
الجينات الدفاعية انتقلت بين أجيال المدافعين الإيطاليين


عند حديثنا عن إيطاليا والدفاع الإيطالي، يبقى السؤال، من هو أفضل مدافع إيطالي في التاريخ؟ والذي بطبيعة الحال، سيكون أفضل مدافع في التاريخ وليس فقط في تاريخ بلاد «النهضة». برأي الكثيرين، يعتبر مدافع وظهير نادي ميلان السابق باولو مالديني هو أفضل مدافع عرفه تاريخ اللعبة الأكثر شعبية في العالم. لكن، المفارقة هنا بأنّ إشكالية هذا السؤال «المستعصي» دائماً ما تنحصر بإيطاليا وبمدافعيها. فيأتي أقرب الأسماء إلى مالديني، أليساندرو نيستا مدافع ميلان ولاتسيو السابق، فرانكو باريزي أحد الأيقونات الدفاعية في ميلان أيضاً. ربما قد يعترض البعض على هذه الأسماء، ولكن لمن يحب الأرقام، لا بأس ببعضها: مالديني وباريزي لعبا في التشكيلة الأساسية لميلان 621 مباراة رسمية، منها 196 مباراة في مركز قلبي الدفاع (نظراً إلى مشاركة مالديني في كثير من المناسبات مع ميلان في مركز الظهير الأيسر)، خلال هذه الفترة، لم تدخل شباك «الروسونيري» سوى 23 هدفاً خلال مشاركة هذين المدافعين العملاقين معاً وجنباً إلى جنب. لنتوقّف قليلاً هنا، 23 هدفاً في 196 مباراة شارك فيها كل من باريزي ومالديني كقلبي دفاع في ميلان، أي أن المعدّل لم يجتَز الـ0.2 هدف في المباراة الواحدة. رقم ليس بالسّهل تحقيقه، بل من المستحيل تحقيقه.
لعب فرانكو باريزي، الذي يعتبر من بين أبرز الأسماء التي مرّت في تاريخ النادي «اللومباردي»، مع ميلان 719 مباراة رسمية. في المقابل شارك باولو مالديني في 902 مباراة. كلاهما اعتزل في سنّ متقدمة، إذ خلع باريزي في سن الـ37 عاماً القميص الذي لم يرتدِ غيره طوال مسيرته. أما مالديني فلعب آخر مباريات له وهو في الـ41 من عمره وتحديداً في عام 2009. كان مركز مالديني في الأساس ظهيراً أيسر، أمّا باريزي كان يلعب كقلب دفاع. إلا أنّ غياب زميلهما أليساندرو كوستاكورتا، والذي يعتبر صاحب مستوى فني أقل منهم، فرض على مدربَي النادي في تلك الفترة (أريغو ساكي أو وفابيو كابيلو) الاستفادة من مالديني كلاعب في متوسط خط الدفاع لتعويض غياب أليساندرو. حدث ذلك في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 1994 أمام برشلونة الإسباني، وأيضاً خلال الفترة من عامي 1991 و1993. رقم آخر لا يمكننا التغاضي عنه في تلك الفترة الـ«ميلانية الذهبية»: لم يخسر «الروسونيري» خلال 58 مباراة رسمية متتالية والتي تضمنت جميع مباريات الدوري الإيطالي في موسم 1991-1992، إذ توّج الفريق حينها باللقب من دون أن يتلقّى ولو خسارة وحيدة، كان ذلك في أول موسم للمدرب فابيو كابيلو بعد أن انتقل أيرغو ساكي لتدريب المنتخب الإيطالي.

(أرشيف)

هذه الجينات الدفاعية تناقلت بين أجيال المدافعين الـ«طليان». ففي السنوات الأربع الأخيرة، بتنا نشاهد ربما، أفضل خط دفاع إيطالي منذ فترة، مكوّن من ثلاثي نادي «السيدة العجوز» يوفنتوس: جورجيو كيليني، أندريا بارزالي وليوناردو بونوتشي. الأخير، وبعد المشاحنات الكلامية والمشاكل داخل غرف الملابس بينه وبين مدرّبه في يوفنتوس ماسيميليانو أليغري، قرر الانتقال إلى ميلان مقسّماً بهذا الانتقال الثلاثية المميّزة بينه وبين ثنائي دفاع اليوفي (بارزالي وكيليني). موسم واحد سيّئ لصاحب الرّقم 19 مع ميلان كان كافياً لمعرفة كم أنه بحاجة ليوفنتوس، وكم أنّ يوفنتوس بحاجة إليه. اليوم ومع اكتمال صفقة انتقال بونوتشي وعودته إلى ملعب «أليانز ستاديوم»، لُمَّ شمل هذا الثلاثي المميّز مرّة أخرى. الجدير بالذكر هنا أنّ هؤلاء المدافعين الإيطاليين لديهم بعض الأرقام أيضاً التي تخبرنا عن أهميتهم بالنسبة إلى الفريق. فعلى سبيل المثال، في بطولة دوري أبطال أوروبا ما قبل الماضية، والتي جمعت بين يوفنتوس مع ريال مدريد في نهائي كارديف، كان الـ«بيانكو نيري» وقتها وبفضل خط دفاعه، من بين أفضل الدفاعات في أوروبا، إذ لم تتلق شباك الفريق سوى هدفين خلال البطولة كلّها باستثناء المباراة النهائية التي تراجع فيها الدفاع بشكل غير مبرر ومفاجئ. لكن الجينات كما ذكرنا سابقاً موجودة داخل أجساد المدافعين الإيطاليين. فمع تقدّم أندريا بارزالي في العمر (36 سنة)، إلّا أنه لا يزال يقدّم مستوى يعدّ مقبولاً مقارنةً بما كان عليه هذا العملاق. لكن البديل دائماً جاهز بالنسبة إلى إيطاليا ويوفنتوس، صاحب الـ24 سنة، دانييلي روغاني، المدافع الذي تتعارك الفرق الأوروبية للحصول عليه، عالمين وكلهم وعي بقيمة هذا المدافع الإيطالي الشاب الذي لم يُمنح حتى الآن الفرصة الملائمة مع فريقه. كان ليوفنتوس أيضاً مدافع آخر «قيد البناء»، أعير في الموسمين الماضيين إلى فريق أتلنتا لاكتساب الخبرة ولإكمال نضوجه الذي قد يخوّله لأن يكون أحد الركائز الأساسية في اليوفي. ماتيا كالدارا (24 عاماً)، مدافع إيطالي عصري، لفت كل الأنظار خلال الموسم الماضي مع فريقه أتلانتا. كالدارا اليوم في ميلان، بعد أن حدثت صفقة تبادل بين يوفنتوس وميلان، وذلك بعودة بونوتشي، ليصبح دفاع الـ«روسونيري» من بين أقوى وأصغر خطوط الدفاع في إيطاليا وأوروبا. سيجد ماتيا إلى جانبه أليسيو. أليسيو رومانيولي الذي تشبّثت به إدارة نادي العاصمة الإيطالية روما قبل موسمين، محاولة الحد من انتقاله إلى «ديافولو»، لكن رغبة رومانيولي بأن يكون لديه تحدٍّ جديد، وأن يرتدي رقماً ثقيلاً كرقم 13 الذي كان يرتديه الكبير أليساندرو نيستا أوصلت اللاعب إلى ميلان.
من مالديني وباريزي في التسعينات، إلى بارزالي وكيليني وبونوتشي في السنوات الأخيرة الماضية، وصولاً إلى الثلاثي الشاب في المنتخب الإيطالي (روغاني، كالدارا، رومانيولي)، نرى بأن إيطاليا ربّما لن تعرف مثيلاً لها من ناحية «الإنجاب». إنجاب مدافعين «طليان»، جرت تربيتهم على مشاهد وصور وأفلام تصويرية لمن سبقهم، الذين بدورهم شاهدوا من سبقهم أيضاً. هي حلقة اللانهاية، حلقة الدفاع الإيطالي، حلقة «الكاتيناتشو»، حيث يوجد أقوى دفاع في العالم.