لفتت نتائج منتخب مدغشقر في بطولة كأس الأمم الأفريقية الأنظار إلى تلك الجزيرة التي يبلغ عدد سكانها حوالى 26 مليون نسمة، والذين يعيش أكثر من ثلثيهم تحت خط الفقر بحسب التصنيف الدولي. لم يحظَ لاعبو منتخب مدغشقر بالتجهيزات التي حصلت عليها باقي منتخبات القارة السمراء، كما أنّ النظام الاحترافي للاعبين لم يرقَ لثقل مواهبهم بما يتناسب مع متطلبات البطولات الكبيرة. رغم ذلك، تمكن منتخب مدغشقر من الوصول إلى الدور ربع النهائي من كأس الأمم الأفريقية، ضارباً موعداً على أرضية استاد السلام مع منتخب تونس. الإنجاز وإن عاد للمجموعة ككل، فلا بدّ من تخصيص الفضل الأكبر للمدرب الذي ساهم بشكلٍ كبير في كتابة تاريخ مدغشقر الكروي الحديث.

لم تشهد مسيرة نيكولاس ديبويس الكروية كلاعب شيئاً مميزاً، حالها كحال مسيرته التدريبية، إذ قضى صاحب الـ51 عاماً معظم مسيرته في الدرجات الدنيا من الدوري الفرنسي. ارتبط ديبويس طوال مسيرته بـ«مولين يزير»، فريق من الدرجة الرابعة الفرنسية، حيث لعب في صفوفه لعدة سنوات خلال ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يشرف على تدريبه في الفترة الممتدة بين عامي 1996 و2011، ثم عاد لتدريبه مجدداً من 2012 حتى 2017. في عام رحيله عن «مولين يزير»، تولى تدريب مدغشقر، ليجعل نفسه الاسم التدريبي الأبرز في تاريخ منتخب الجزيرة بظرف عامين فقط. في كانون الثاني/يناير الماضي، وسّع ديبويس من سلطاته التدريبية، وتعاقد مع فريق فلوري الذي يلعب في الدرجة الرابعة الفرنسية، ليشرف عليه جنباً إلى جنب مع منتخب مدغشقر. مهمة تبدو صعبة نظراً إلى ضيق الوقت مقارنةً بحجم المسؤوليات الموضوعة على كاهله، غير أنّ كلمات ديبويس نمّت عن الكثير من التنظيم الذي ظهر جلياً في صفوف المنتخب، إذ صرح في وقتٍ سابق، «عليك أن تقسّم وقتك جيداً، وتمنح الاهتمام للتفاصيل. الفريقان محببان إلى قلبي، وهما مشروعان أود العمل عليهما. جعلت الأمر واضحاً بالنسبة لفلوري وأخبرت القيّمين على النادي أنني سأمنح معظم وقتي لمدغشقر، تأهلنا لأول مرة لأمم أفريقيا ومن واجبي ضمان الاستعداد الجيد للبطولة».
وشهدت بطولة أمم أفريقيا 2019 المقامة في مصر مشاركة ثلاثة منتخبات للمرة الأولى، هي مدغشقر، موريتانيا وبوروندي، بعد قرار اللجنة التنفيذية للاتحاد الأفريقي لكرة القدم بزيادة عدد منتخبات البطولة من 16 إلى 24 منتخباً، توزّعوا على ست مجموعات.
قبل بداية البطولة، أوقعت القرعة منتخب مدغشقر في المجموعة الثانية، التي ضمّت كلاً من نيجيريا وغينيا، إضافةً إلى بوروندي، أحد ضيوف البطولة الجدد. مالت الترجيحات حينها لمنتخبي نيجيريا وغينيا، الأولى لعراقتها ومدى جهوزية منظومتها، ولما تضمه من لاعبين محترفين في أهم الدوريات الأوروبية، والثانية نظراً لخبرتها، كما ضعف الطرفين الآخرين، المتمثلين ببوروندي ومدغشقر، غير أنّ هذا الأخير قلب الموازين تماماً، بعد أن أنهى الدور الأول في صدارة المجموعة الثانية برصيد سبع نقاط. في الجولة الأولى، فاز المنتخب النيجيري على نظيره البوروندي بهدف نظيف، فيما تعادلت مدغشقر مع غينيا بنتيجة (2-2). في الجولة الثانية انتصر المنتخب النيجيري على غينيا بهدف دون رد، وهي نفس نتيجة فوز منتخب مدغشقر على بوروندي، لتأتي الجولة الثالثة الحاسمة، حيث لعب منتخب نيجيريا مع مدغشقر، وغينيا مع بوروندي، وكانت كل التوقعات تشير إلى احتفاظ المنتخب النيجيري بصدارته للمجموعة الثانية سواء بالفوز على مدغشقر أو حتى تحقيق التعادل فقط، ليضمن مواجهة سهلة في دور الـ16 مع أحد المنتخبات التي ستتأهل كأفضل مركز ثالث، ولكن ما حدث كان مغايراً تماماً للتوقعات. فاجأ منتخب مدغشقر الجميع، ونجح في تحقيق فوز ثمين للغاية على منتخب نيجيريا بهدفين نظيفين في الجولة الثالثة والأخيرة لدور المجموعات، ليخطف المنتخب حديث العهد في كرة القدم الأفريقية، صدارة المجموعة من النسور الخضر. الفوز رفع رصيد مدغشقر إلى سبع نقاط في صدارة المجموعة الثانية، متفوقاً بفارق نقطة وحيدة عن منتخب نيجيريا صاحب المركز الثاني، فيما جاءت غينيا في المركز الثالث برصيد أربع نقاط، ثم بوروندي في المركز الرابع والأخير بدون نقاط.

يعود الفضل الأكبر بتألق منتخب مدغشقر إلى المدرب نيكولاس ديبويس


الإنجاز لم ينتهِ هنا، إذ استمر منتخب مدغشقر في كتابة التاريخ بعدما تأهل إلى دور الثمانية بفوزه بركلات الترجيح في دور الـ16 (4-2)، على منتخب الكونغو الديمقراطية، المتوج باللقب عامي 1968 و1974، بعد أن انتهى الوقتان الأصلي والإضافي بالتعادل (2 ـ 2)، ليلجأ المنتخبان إلى ركلات الترجيح، التي ابتسمت في النهاية لمصلحة منتخب مدغشقر. الفوز جاء بحضور مواطن لاعبي المنتخب أحمد الأحمد، الذي يشغل منصب رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، والذي كان حاضراً إلى جانب رئيس البلاد.
مباراةٌ تاريخية تنتظر منتخب مدغشقر أمام منتخب تونس الليلة، وهي قد تكون محطة ليصل المنتخب الملقب بـ«باريا» وهو أحد أنواع من الجواميس المشهور في البلد، إلى نصف النهائي. وبما أن الأحلام يمكن أن تتحقق، ربما تكون المفاجأة، وتصل مدغشقر إلى المباراة النهائية وتحمل اللقب، فالأمر تحقق سابقاً في القارة الأوروبية، حين توّج المنتخب اليوناني ببطولة يورو 2004 في واحدة من أكبر المفاجآت التي حصلت في تاريخ كرة القدم، وهذا ما يثبت أنه لا مستحيل في كرة القدم.



مباراة البطولة في السويس!
سيكون المنتخب الجزائري على موعد مع مباراة من العيار الثقيل، عندما يواجه منتخب ساحل العاج في ربع نهائي كأس الأمم الأفريقية عصر اليوم على ملعب السويس (19:00 بتوقيت بيروت).
حتى اللحظة، يبدو منتخب الجزائر الأكثر جاهزية للظفر باللقب الأفريقي من أرض الفراعنة. الأداء العالي للخضر استمر في نسق تصاعدي منذ المباراة الأولى حتى الجولة الأخيرة، والذي مكّنهم من التأهل إلى دور الثمانية بفوزهم السهل على منتخب غينيا بثلاثية نظيفة في دور الـ16. وفقاً لما ذكرته شبكة «أوبتا»، يمتلك منتخب الجزائر بالأرقام أفضل هجوم في البطولة بعدما وصل عدد أهدافه إلى 9 حتى الآن. كذلك يمتلك منتخب الجزائر أقوى دفاع في البطولة، حيث إنه المنتخب الوحيد الذي لم تتلقَّ شباكه أيّ هدف في البطولة الأفريقيّة حتى الآن. كما يعدّ المنتخب الجزائري الوحيد في بطولة أمم أفريقيا 2019، الذي نجح في تحقيق الفوز بجميع مبارياته، بعد تغلبه على منتخبات كينيا، السنغال، تنزانيا وأخيراً غينيا.
فوز المنتخب الجزائري أمام غينيا منح الكرة العربية أول مقعد لها في دور الثمانية، بعدما ودع المنتخبان المغربي والمصري البطولة من دور الستة عشر، قبل أن يلتحق منتخب تونس بالجزائر إثر فوزه على منتخب غانا بركلات الترجيح.
سيدخل أشبال جمال بلماضي بنيّة الثأر أمام المنتخب الإيفواري والعبور إلى الدور نصف النهائي، خاصة أن آخر مواجهة جمعت المنتخبين في نهائيات «الكان» كانت سنة 2015 في غينيا الاستوائية، حين تأهل منتخب كوت ديفوار على حساب زملاء ياسين براهيمي إلى دور نصف النهائي من المسابقة بثلاثية مقابل هدف.
الأداء العالي لمحاربي الصحراء يجعلهم الطرف الأقرب لمواصلة المغامرة القارية، رغم صعوبة المهمة بفعل خبرة «الأفيال» الكبيرة في «الكان»، والتي عادت عليهم بلقبين عامي 1992 و2015.
في البطولة الحالية، قدم منتخب ساحل العاج النسخة الأفضل له منذ عام 2015، إذ لم يتعثر حتى الآن إلا أمام منتخب المغرب، عندما خسر بنتيجة (1-0) في دور المجموعات. واكتفى منتخب الأفيال بهدف المهاجم ويلفريد زاها لاعب كريستال بالاس الإنكليزي في الدقيقة 76 أمام منتخب مالي في دور الـ16، ليعبر إلى الدور الحالي.
التقى المنتخب الجزائري مع المنتخب الإيفواري في منافسة كأس أمم أفريقيا 9 مرات، كانت الغلبة فيها للفيلة بـ4 انتصارات مقابل 3 انتصارات للخضر وتعادلين. ومن المتوقع أن يكون الفائز بهذه المباراة، هو صاحب الحظوظ الكبيرة للظفر باللقب.