سريعاً عاد الدوري اللبناني لكرة القدم. عودةٌ مطلوبة في ظلّ الأوقات العصيبة التي يعيشها لبنان حيث تبدو اللعبة الشعبية الأولى متنفّساً لشريحةٍ كبيرة من المجتمع. هذا الأمر ثبُت في الموسم الماضي عندما تحوّل السباق الأخير بين الغريمين التقليديين الأنصار والنجمة إلى حالةٍ عامة وإلى قضية رأي عام، بحيث تحدث الكلّ عن المنافسة القوية بينهما، خصوصاً بعدما بلغا نهائي الدوري والكأس على حدٍّ سواء، فعاد ذاك المشهد القديم إلى الشارع البيروتي الذي تزيّن قسمٌ منه باللون الأخضر وقسمٌ آخر باللون النبيذي.

مشاهد أكدت مرة جديدة أنه لا يمكن لأي رياضة منافَسة كرة القدم في لبنان، إذ رغم غياب الجمهور بدا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والمساحة التي احتلها المشجعون في الشوارع، متحدّين تفشي فيروس «كورونا»، أن المستديرة لم تخسر أي شيءٍ من شعبيتها بل شكّلت مساحةً فعلية للجماهير لكي تنسى ولو لساعاتٍ قليلة هموم الحياة والمصاعب الاقتصادية اليومية.
طبعاً هذا الموسم لا يُفترض أن يكون مغايراً عن ذاك الذي سبقه، خصوصاً أن الآلية نفسها اعتُمدت لتسييره، فالمبالغ التي يوزّعها الاتحاد اللبناني لكرة القدم كافية لخلق استقرارٍ مقبول في كل الأندية، ولهذا السبب رأينا أنها ذهبت كلّها إلى تعزيز صفوفها حيث نشطت في سوق الانتقالات الصيفية الذي شهد تغيير أسماء مميّزة عدّة لألوانها، وهو ما قد يغيّر في موازين القوى في موسمٍ منتظر بنظامه الجديد حيث ستلعب الفرق الـ 12 مرحلة واحدة قبل أن تتنافس الفرق الستة الأوائل مع بعضها البعض على مدار مرحلتين وعلى طريقة الدوري، وهو الأمر عينه الذي ستقوم به الفرق التي تحتل المراكز الستة الأخرى في الترتيب بعد نهاية المرحلة الأولى.
إذاً موسمٌ يأتي بنظامٍ استثنائي وفي ظروفٍ استثنائية، حيث لا يمكن إسقاط القلق من أي عائق يفضي إلى عدم استكماله، إذ يجب ألا ننسى أن أزمة المحروقات قد ترخي بثقلها على الجميع في الأشهر المقبلة لناحية النقليات وأيضاً لناحية إضاءة الملاعب عند الحاجة مع الاقتراب من الفصل الذي تغيب فيه الشمس باكراً. وهذه المسألة بالتحديد تبدو مقلقة وهو ما تأكد في الأسابيع القليلة الماضية حيث فسخ بعض اللاعبين عقودهم مع الأندية البعيدة من مكان إقامتهم، وذلك لصعوبة تأمينهم مادة البنزين للتنقّل بسياراتهم.

«دوري نار» في الانتظار متجاهلاً الأوضاع المتأزمة في البلاد


الكل يريد النجاح
لكن الأمر الجيّد أن الكل يريد إنجاح الموسم والانتصار لكرة القدم مرةً جديدة، وهو ما كان بالإمكان لمسه من خلال جديّة غالبية الفرق في التعاطي مع مسألة ضمان بقاء لاعبيها ضمن صفوفها عبر تحسين أوضاعهم المالية أو قبولها بأرقامٍ غير اعتيادية في ما خصّ التعاقد مع لاعبين جدد. من هنا، كانت الفرق أجمع تعمل بنشاط لجمع أفضل الأسماء، ومنها ما ركّز على تعزيز صفوفه بأصحاب الخبرة بعدما أصبح دور الشبان أكبر وحكم النظام العام للبطولة، فكان انتقال قائد النجمة عباس عطوي إلى الأخاء الأهلي عاليه، وأكرم مغربي وعباس عطوي «أونيكا» إلى البرج، وعدنان ملحم إلى التضامن صور، وروني عازار إلى الصفاء، وعلي الاتات إلى سبورتينغ الضيف الجديد على دوري الأضواء، وأحمد عطوي ووليد اسماعيل إلى الحكمة العائد إليه.
هذه الجديّة في التعاطي مع «الميركاتو» ظهرت أصلاً من خلال إطلاق غالبية الأندية تمارينها باكراً غير مكترثة بتاتاً بالأوضاع المتأزمة والمتأرجحة في البلاد، منها بسبب شعورها بالاستقرار بحكم معرفتها سلفاً بأنها ستحصل على مساعدة مادية ستلبّي حاجاتها، ومنها من حصل على دعمٍ داخلي سمح لها بالقيام بما افتقدت إليه كل الأندية في الموسم الأخير وهو إقامة المعسكرات الخارجية، فكان التضامن صور «سفير» الدوري على هذا الصعيد بعدما انخرط في معسكرٍ في تركيا حيث خاض بعض المباريات الوديّة.

«ثلاثة فرسان» وأكثر
ومما لا شك فيه أن فرقاً عدة مرشّحة للعب الأدوار الأولى وبعددٍ يفوق فرق الموسم الماضي الذي شهد اختراق الأخاء الأهلي عاليه وشباب الساحل دائرة المنافسة بدايةً قبل أن يتركا الساحة للأنصار والنجمة اللذين صنعا العرض الأخير. هذان الفريقان العريقان سيكونان بالتأكيد في الواجهة عند الحديث عن المرشحين الأقوياء للفوز باللقب، لكن فرقاً أخرى لم تخفِ طموحاتها لمضايقة كل الكبار.
الأنصار يعيش حالة استقرار منذ الموسم الماضي، وهو ما حمل إليه ثنائية طال انتظارها، فما كان منه إلا السعي للاحتفاظ بنجومه المميزين ولم يخسر منهم إلا نادر مطر المنتقل إلى المعيذر القطري. لكن «الأخضر» عرف كيفية التعويض، فضمّ أحد أبرز لاعبي الوسط في الدوري علي طنيش «سيسي» من النجمة ليكون إلى جانب جهاد أيوب الذي جدّد عقده، مع ماجد عثمان الذي كان قد احترف في الرمثا الاردني، ويوسف بركات العائد الى الفريق من شباب الساحل، بينما أضاف أسماء يمكنها خلق الإضافة أيضاً هما الفلسطيني حمزة حسين القادم من الأهلي صيدا، ويوسف الحاج وعلي طحان المنتقلان من الصفاء، إضافةً إلى المهاجم المعروف فايز شمسين.

(طلال سلمان)

أما النجمة الذي يدخل البطولة عملياً من دون مديرٍ فني بعدما عيّن الإسباني دانيال خيمينيز في منصبٍ مؤقت إثر خروج يوسف الجوهري من النادي بعد قيادته إلى لقب كأس النخبة التنشيطية، فإنه ردّ على تكرار الأنصار فعلته بالتعاقد مع نجومه عبر ضم حسن شعيتو «موني»، في موازاة نجاحه في تجديد عقود لاعبين مؤثرين في صفوفه مثل علي حمام، خالد تكه جي، محمد غدار، إضافة إلى اللاعب اللبناني الأوسترالي عمر عماش، وعلاء مزهر العائد من الإمارات.
وفي موازاة هذا الهدوء النسبي عند الغريمين، كان معلوماً أن العهد لن يقف مكتوف اليدين على خسارته اللقب المحلي، وأيضاً بسبب استمراره في مشوار الدفاع عن لقبه الآسيوي، فشرع منذ اللحظة الأولى لنهاية الموسم الماضي في خطف مواهب عدة من الفرق الأخرى أو استعادة المواهب التي أعارها إليها. من هنا، كان تعاقد «الأصفر» مع زين فران ومحمد ناصر من البرج، واستعاد لاعب الوسط المميّز حسين عواضة من جاره شباب البرج، تماماً كما هو حال الحارس مصطفى مطر الذي عاد من طرابلس، وهو يشكّل حاجةً ماسّة للفريق بعد إصابة مهدي خليل وخضوعه لعمليةٍ جراحية ستبعده لفترةٍ طويلة عن الملاعب. مطر كان قد أثبت جدارته أصلاً في الدوري حاصداً الخبرة المطلوبة ومن ثم أكّد قدراته مع المنتخب الوطني أخيراً في التصفيات المونديالية. كما تبرز أسماء جيّدة ستساعد العهد في حملته، أمثال حسين حيدر العائد من شباب الساحل، وحمزة الخير الذي برز أخيراً في الدوري الهندي، وحسين مرتضى المنتقل من الصفاء، وطبعاً المهاجم الدولي هلال الحلوة الذي سيخوض تجربته الأولى في الملاعب اللبنانية، وهو يُنتظر منه أن يكون إضافةً إيجابية على الساحة الآسيوية إلى جانب الأجنبيَّين المهاجم البوسني هاريس هانزيتش والسوري عز الدين عوض.
أما الأكيد فإن «الفرسان الثلاثة» لن يكونوا وحدهم في الساحة، وهي مسألة ظهرت في الموسم الماضي بوجود الأخاء وشباب الساحل الذي يتوقّع أن يبقى في دائرة الكبار، ومع طموحات فرقٍ أخرى مثل البرج الذي كان أكثر الناشطين في «الميركاتو» مركّزاً على استقدام أسماءٍ يمكنها أن تضعه في موقف المنافس على اللقب، وهو سيكون أمراً مستغرباً في حال لم يحصل. ويكفي ذكر أسماء «البرجيين» الجدد للتأكد من هذا الكلام، إذ بعيداً من عودة «أونيكا» إلى ناديه الأم، وأبو بكر المل الذي لعب معه لفترةٍ قصيرة في الموسم الماضي، سجّل البرج تواقيع أكرم مغربي، وثلاثة أبطال في الموسم الماضي هم الحارس حسن مغنية، حسن بيطار ويوسف عنبر القادمين من الأنصار، إضافةً إلى تعاقده مع حسن مهنا من الصفاء، ويوسف عتريس من الشباب الغازية، وعلي مرقباوي وعلي خروبي من الأخاء.
إذاً موسمٌ جديد وترقّب منتظر وآمالٌ كبيرة بأن يمرّ بسلام وألّا تكون كرة القدم ضحيةً لأي حوادث تشهدها البلاد بعدما أكدت اللعبة في أكثر من مناسبة بأنها مثال على النهوض والعودة إلى الحياة رغم تحوّلها إلى ضحية في غالبية الأزمات.


مباريات المرحلة الأولى

(طلال سلمان)

تفتتح المرحلة الأولى من الدوري اللبناني لكرة القدم لموسم 2021-2022 اليوم السبت بمباراتين عند الساعة 15:30، إذ يلتقي سبورتينغ بطل الدرجة الثانية مع الحكمة وصيفه في الموسم الماضي على ملعب أمين عبد النور في بحمدون، بينما يلعب شباب البرج مع التضامن صور على ملعب العهد.
أما يوم غدٍ فيشهد ثلاث مباريات، إذ يتواجه شباب الساحل مع الأخاء الأهلي عاليه عند الساعة 15:30 على ملعب العهد، والبرج مع الأنصار حامل اللقب في التوقيت عينه، بينما يلعب النجمة مع الصفاء عند الساعة 16:00 إفساحاً في المجال أمام نقل هذه المباراة تلفزيونياً من ملعب مجمع الرئيس فؤاد شهاب الرياضي في جونية.
وتختتم المرحلة يوم الاثنين على الملعب عينه عندما يلتقي طرابلس مع العهد في نفس التوقيت أيضاً، علماً أن إدارة العهد كانت قد طلبت عدم نقل هذه المباراة عبر شاشة التلفزيون لتفادي مراقبة فريقها وطريقة لعبه قبل المواجهة المهمة مع المحرّق البحريني في مسابقة كأس الاتحاد الآسيوي، بينما ستُنقل بقية المباريات على غرار الموسم الماضي عبر الموقع الإلكتروني للناقل الحصري ومنصّة الاتحاد اللبناني لكرة القدم على «يوتيوب».