أمل اللبنانيين بفرحةٍ مفقودة وغدٍ أفضل وإنجازٍ يتغنّون به، اختُصر بمنتخب لبنان لكرة القدم الذي شغل الشارع لمدة أسبوعٍ كاملٍ بعدما حمل الى كوريا الجنوبية طموحات وأحلام شعبٍ وقف خلف «رجال الأرز»، داعياً إياهم الى حسم التأهل المباشر الى كأس آسيا 2023 في الصين، ومواصلة المشوار باتجاه الهدف الأكبر أي العبور الى الدور الثالث من تصفيات كأس العالم 2022.

لكن كل هذا لم يحصل، اذ تعرّض منتخب لبنان لسقطتين، إحداهما كانت صادمة وغير منتظرة أمام منتخب تركمانستان في مباراةٍ كانت لتشكّل جسر العبور الى كل الأهداف التي وضعها «رجال الأرز» نصب أعينهم قبل وصولهم الى غويانغ. أما الثانية فكانت مؤلمة امام كوريا الجنوبية بعد بدايةٍ جيّدة كان يؤمل أن تمحو تلك البداية المهزوزة التي تمثّلت بفوزٍ هزيل على سريلانكا الضعيفة.
لكن ماذا حصل مع منتخبنا هناك في كوريا، وما هي الأسباب التي أدّت الى تفويت هذه الفرصة التاريخية لتحقيق الإنجاز المطلوب؟

خيارات ومشاكل فنية
الواقع أن التصويب الأول للمنتقدين كان على جوانب فنيّة معيّنة، أولها تمّ تحميل مسؤوليتها للجهاز الفني، وذلك لناحية الخيارات في المباريات الثلاث، إن كان على صعيد الأسماء التي لعبت أساسية او إن كان من خلال التبديلات التي أجريت في الاشواط الثانية، اضافةً الى توقيتها.
لا يخفى ان هناك ملاحظات يمكن تسجيلها بهذا الخصوص، وتحديداً في ما خصّ ظهور بعض اللاعبين بمستوى متراجع، ومنهم بعض القادمين من الخارج، في وقتٍ خرج فيه من الحسابات الأساسية عناصر أكدت حضورها في الوقت الذي وجدت فيه على ارض الملعب، بينما غابت عناصر اخرى تماماً رغم تسجيل اداء جيد في وقتٍ قصير مع مشاركتها كبديلة.
هذه المسألة ترتبط طبعاً بخيارات الجهاز الفني الذي قدّم افكاره الخاصة بما خصّ كل مباراة، اذ كانت لديه حسابات خاصة، لكنها في نهاية المطاف لم تفضِ الى النتيجة المرجوّة، ما يعني ان تقييماً عاماً يترافق مع الاستماع الى وجهة نظر المدربين، يفترض ان يكون على رأس الأولويات من قبل القيّمين على المنتخبات، على أن يلي هذه المسألة نقطة مهمة اخرى وغير ثانوية، وهي ترتبط بالخيارات العامة في ما خصّ اللاعبين الذين يتمّ استدعاؤهم الى المنتخب.

دافع «رجال الأرز» عن اسم وطنٍ فقد الكثيرون الإيمان فيه


وهذه النقطة توقف عندها المراقبون كثيراً، اذ بدا كأن الثقة مفقودة بعناصر كثيرة رغم انها اثبتت حضورها مع انديتها، اضافةً الى استدعاء لاعبين لا يمكن ان يلعبوا دوراً على الساحة الدولية بحكم امكاناتهم المحدودة. هذا في وقتٍ يحتاج فيه المنتخب الى اسماء جديدة من خلال اتخاذ خطوة جريئة باستبعاد لاعبين مكثوا مع المنتخب منذ فترةٍ غير قصيرة، لكنهم لم يتطوّروا او يقدّموا اي شيء يذكر.
هذا الأمر طبعاً سيكون منوطاً بمن سيتولى المسؤولية في المرحلة المقبلة، بحيث تشير المعلومات الى أن الاتحاد اللبناني للعبة سيتجه الى مشروعٍ جديد يترافق مع الولاية الجديدة له، وبما يتناسب مع تحديات المرحلة المقبلة.

عيّنة عن البلاد
وفي وقتٍ لا يفترض فيه نسيان تأثير غياب النجم والقائد حسن معتوق وزميله حسن شعيتو «موني»، وإبعاد باسل جرادي عن المنتخب من قبل السلطات الصحية الكورية الجنوبية، لا يفترض اسقاط جانب آخر كان حاضراً لإضافة المزيد من الصعوبات علينا في كوريا.
هذا الجانب يختصر بالحالة النفسية والمعنوية والذهنية للاعبين، وذلك بعيداً من الناحية البدنية التي لم تكن في اعلى مستوياتها عند البعض لأسبابٍ مختلفة. الواقع انه لا يمكن فصل المنتخب عما يحصل في البلاد عامةً، فالقطاع الرياضي هو من القطاعات التي بقيت على قيد الحياة، لكن لا يمكن ان ننتظر من بعثاتنا ومنتخباتنا ورياضيينا الإنجازات الكبيرة في وقتٍ تنهار فيه القطاعات الأخرى تباعاً.
وهنا المقصود في الكلام ان منتخب لبنان هو ضحية ايضاً لكل تلك الظروف الصعبة التي يعيشها اللبنانيون يومياً، اذ لا يجب ان ننسى ان اللاعبين «المحليين» ليسوا من اثرياء العالم الكروي بل هم قادمون من طبقة كادحة تتعب في اكثر من اتجاه لتحصيل قوتها اليومي، وهي تعبت نفسياً بلا شك من وضع البلاد، ووجدت كسائر المواطنين رواتبها تتآكل بفعل الارتفاع الجنوني لسعر الدولار، وبات لزاماً عليها التفكير يومياً في الحلول لتأمين مستقبلها ومعيشة عائلاتها.
هي مسائل كان بالامكان لمسها من خلال التواصل مع اللاعبين طوال الموسم المنتهي، ما يعني أن من الصعب فعلاً عليهم خوض مباريات كرة القدم بذهنٍ مرتاح، وفي ظل غياب كل الظروف الحياتية الضرورية للتركيز على الواجب الوطني الكروي حصراً.
اذاً هذه النقطة لا يجب اغفالها ايضاً، ويعرفها تماماً كل اولئك الذين يعيشون على مقربة من اللاعبين الطامحين دائماً إلى تحقيق شيءٍ ما، والمدافعين عن اسم وطنٍ فقد الكثيرون الإيمان فيه.
ببساطة، منتخبنا هو عيّنة عما تعيشه البلاد التي في كل مرّة تحاول فيها الوقوف على قدميها، تتلقى ضربة وصدمة فتعود الى مكانها، ليبقى اللبنانيون باحثين عن تفاصيل بسيطة لنسيان الوضع المأسوي الذي يعيشونه، والذي على ما يبدو سيطول كثيراً.