لطالما خرجت الأندية الرياضية في الألعاب المختلفة بخسائر جمّة، وهي التي عانت غالباً لتأمين الموارد المالية الكفيلة باستمرارها. مسألةٌ تفاقمت بعد تفشي وباء «كورونا» ومعاناة لبنان من أزمةٍ اقتصادية غير مسبوقة، فبدت الأندية في وضعٍ صعبٍ جداً وبحاجةٍ إلى مساعدة الدولة. لكن هذه الأخيرة كان لها رأي آخر وفي أسوأ توقيت ممكن، فقامت وزارة المالية بخطوة غير متوقعة من خلال مجموعة تكاليف مطالبةً بمبالغ مرتبطة بمستحقات وأجور اللاعبين الأجانب الذين مرّوا على الأندية المعنيّة ابتداءً من عام 2014.

قبل هذه السنة كانت مجموعة من الأندية وعلى رأسها أندية كرة السلة قد اجتمعت بوزير المالية السابق محمد الصفدي لاستعراض آلية اقتطاع نسب من رواتب وأجور اللاعبين المستقدمين من الخارج، لكن أنديةً قليلة التزمت بعدها بالتصريح والدفع لتتراكم المستحقات والغرامات على عددٍ كبير منها، ويعاد فتح الملف في مرحلة تبدو فيها الدولة ساعية لتأمين موارد مالية.
وزارة المالية أصدرت التكاليف بعد مرحلة طويلة غضّت النظر فيها، فعادت قانونياً 7 سنوات إلى الوراء، مصوّبةً منطقياً على مسألة قدوم اللاعب الأجنبي إلى لبنان وحصوله على مبلغٍ صافٍ من دون دفعه أي ضرائب.

حسابات غير دقيقة
لكن هل دققت المالية فعلاً في حسابات وملفات الأندية قبل إصدارها التكاليف؟
مصدر موثوق أفاد «الأخبار» بأن التكليف بدا صادماً بالنسبة إلى أندية كرة السلة التي طالها لوحدها، وخصوصاً أنه على ما يبدو أن الملفات فتحت من دون دراسة دقيقة، فتمّت مطالبة الأندية بمبلغٍ مشابه إلى حدّ ما، يتراوح بين الـ 300 والـ 360 مليون ليرة عن عام 2014. وهنا قدّرت وزارة المالية المعدل العام لراتب اللاعب الأجنبي بـ 12 ألف دولار شهرياً ولمدة سنة كاملة، لتخرج بتكليفها، علماً أن موسم كرة السلة لا يستغرق سنة!
من هنا، قدّمت أندية اعتراضها ويبدو أن أندية أخرى ستتجاهل الموضوع، إذ لا يمكن بالمنطق ملاحقة نادٍ ضريبياً وقد أصبح في الدرجة الرابعة بسبب مشاكله المالية على صورة نادي بجة مثلاً. علماً أن أندية أخرى مثل الرياضي وهوبس والمتحد طرابلس تفاجأت بالتكليف، إذ أفادت مصادرها أنها سبق أن صرّحت ودفعت المستحقات المترتبة عليها لوزارة المالية. أَضف أن معلومات خاصة أفادت بأن هناك أندية توقفت عن الدفع سابقاً لأن أندية أخرى لم تذهب يوماً إلى التصريح أو الدفع.
لكن هذه المسألة بحاجةٍ الى التدقيق أيضاً مع تشعّب الموضوع وازدياد التعقيدات بفعل الغرامات التي يمكن إلغاؤها بعكس التكاليف، فهناك تساهل في ما خصّ الشق الأول بسبب الوضع الصحي والاقتصادي في البلاد، بينما قد تستفيد الأندية من أي قانون يرتبط بتجميد المهل وتوقيف الدفع آنياً أو تقسيط المستحقات، وذلك في موازاة تقديمها كتاب استرحام على سبيل المثال أو لتخفيض الغرامات في أسوأ الأحوال.

في خطوةٍ مفاجئة اصدرت وزارة المالية تكاليف تطالب الأندية بدفع مستحقات وغرامات مترتبة عليها


أبي رميا مع الأندية والقانون
وكان رئيس لجنة الشباب والرياضة البرلمانية النائب سيمون أبي رميا قد عقد اجتماعاً بهذا الخصوص مع المعنيين بالقضية من الجهات الرسمية، وقد أكد لـ «الأخبار» نيّته عقد اجتماعٍ ثانٍ قريباً، مشيراً في الوقت عينه إلى أن «إلغاء المستحقات يحتاج الى قانون خاص سيصعب إصداره لأنه سيفتح الباب على مطالبات مشابهة لقطاعات أخرى، وهو ما لا يلتقي مع مساعي وزارة المالية لتطبيق القانون». ويضيف: «هناك مقاربة بديهية وأخرى قانونية، فالوزارة لم تتخطَ القانون بل هي تقوم بواجباتها تجاه كل المؤسسات التي تخلّفت عن الدفع منذ 5 سنوات أو أكثر بعد التدقيق في حساباتها، لكن في ظل الظروف التي نعيشها يبدو التوقيت صعباً بالنسبة الى الأندية للالتزام».
ويبدو كلام أبي رميا نصيراً للأندية، إذ أكد أنه سيسعى الى إقناع وزارة المالية بدراسة القضية بشكل أعمق ومراعاة الوضع الحالي الصعب لعدم صدور المزيد من التكليفات كتلك التي صدرت سلفاً ولا يمكن التراجع عنها، خاتماً: «بديهياً نحن الى جانب الاندية لكن كنائب مشرّع يجب أن أقف عند القانون».
كرة السلة مستهدفة؟
الأكيد بحسب معلومات «الأخبار» أنه سيتمّ رفع الغرامات مراعاةً للوضع، لكن يبدو أن أندية كرة السلة سترفع لواء الثورة على التكاليف التي وصلتها دون سواها، معتبرةً نفسها مستهدفة لأن أي تكليف لم يصل إلى أندية كرة القدم أو كرة اليد أو الكرة الطائرة التي اعتادت استقدام الأجانب أيضاً.
وبهذا الخصوص يقول رئيس الاتحاد اللبناني لكرة السلة أكرم الحلبي: «الدولة لا تريد رياضة في البلاد. هم يقولون إن الاندية تعهدت في عام 2014 بالدفع، ونحن نقول لهم بأنهم في نفس السنة تعهدوا بتأمين عيشنا في بلدٍ مستقرّ مع وصولنا إلى عام 2021، لذا ننتظر إيفاء الدولة بتعهدها وبعدها سنفي بما تعهدنا به».
وأشار الحلبي إلى أن ما يحصل هو استهداف لكرة السلة «وكأنهم يطلبون منا إيقاف اللعبة، ولا أستبعد عملية تصفية حسابات أو وجود حسابات ضيّقة وخاصة حرّكت القضية لأسبابٍ غير خفيّة».
إذاً فصلٌ جديد من استنزاف الرياضة، فهي لطالما عانت في بلدٍ أهمل دعمها، فغابت مساعدات الدولة عنها في أيامها الصعبة، وميزانية وزارة الشباب والرياضة عبر السنوات هي خير دليل على وضع النشاطات والبطولات الشبابية في أسفل قائمة اهتمامات الدولة اللبنانية.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا