يظن البعض أن كرة القدم اللبنانية خسرت نجماً من نجومها السابقين مع رحيل الحارس الدولي عبد الرحمن شبارو عن عمر يناهز الـ 77 عاماً نتيجة إصابته بفيروس كورونا. لكن بعضاً آخر قد يرى أن الكابتن عبد «ارتاح». الظنّان يجوزان. الكرة اللبنانية خسرت أحد أساطيرها، والحارس العملاق شبارو ارتاح من عذاب رافقه على مدى سنوات. معاناة كان المرض جزءاً منها، والعوز جزءاً أكبر.

قد لا يكون قسم كبير ممن يتابعون كرة القدم اللبنانية شاهدوا شبارو يزاول كرة القدم، لكن الجيل القديم لا يمكن إلا أن يتذكّره ويتذكّر ما قدّمه في الملاعب اللبنانية.
هو اكتشاف الراحل سمير العدو عام 1953. من الطبيعي حارس من طينة وموهبة شبارو أن يلعب مع أبرز الفرق اللبنانية. لعب مع الأنصار أربع سنوات (1958-1962) والنجمة ثماني سنوات (1962-1970) والراسينغ. احترف في الخارج، فقاد الأولمبي المصري الى إحراز لقب الدوري موسم 1966-1967. جاءت حرب الأيام الستة عام 67 لتنهي مسيرة شبارو في الملاعب المصرية فعاد الى لبنان بعدما فسخ عقده مع فريقه المصري. استمر في الملاعب اللبنانية حتى عام 1983. هو الحارس الذي قال عنه الأسطورة البرازيلية بيليه «لم أشاهد حارساً مثله في حياتي». كان ذلك بعدما لعب ضده في بيروت قبل الحرب اللبنانية.
سنحت له العديد من الفرص لتجربة احترافية أخرى؛ أبرزها مع نادي إنتر الإيطالي عام 1964 بعدما شاهدوه الطليان مع منتخب لبنان ضمن دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط التي أقيمت في إيطاليا عام 1963. حينها، لم يتمكن مكتشفه وصديق عمره «العراب» أبو علي العدو من أن يتحمّل فكرة خسارته جوهرة حراسة مرمى الكرة اللبنانية. أقنعه بعدم الرحيل، فبقي شبارو في النجمة.
مرة أخرى فُتح أمامه باب الاحتراف. ليس فقط اللعب في الخارج، بل المشاركة في كأس العالم 1970 مع منتخب المغرب الذي عرض عليه منحه الجنسية المغربية. هنا تدخّل رئيس نادي النجمة التاريخي عمر غندور وأقنع الكابتن عبد بعدم الرحيل. فرصة جديدة ضاعت عليه. لا شك أن «العراب» العدو والرئيس غندور لم يضمرا الشر لشبارو حين أقنعاه بعدم ترك النجمة. عزّ عليهم أن يخسروه، لكن لا شك أنه مع الأيام قد يكونون ندموا على ذلك. فلو احترف شبارو في إيطاليا أو المغرب لكانت حياته تغيّرت بشكل كامل.
لو احترف شبارو لما عانى ما عاناه في سنواته الأخيرة من عوزٍ وحاجة الى المال. معاناة استمرت حتى ما بعد رحيله، حين عجز ذووه عن إخراج جثمانه من المستشفى لدفنه بسبب إصرار الإدارة على تسديد جزء من مصاريف علاجه خلال الفترة السابقة، رغم أنه كان يعالج على حساب وزارة الصحة. لكن بقي «فرق الوزارة» توجّب على ذويه دفعه وعجزوا عن ذلك. فما كان من الاتحاد اللبناني لكرة القدم إلا أن سدّد المبلغ وخرج الكابتن عبد الى مثواه الأخير حيث ووري في ثرى مقبرة الشهداء.
تصدّى أسطورة الحراسة اللبنانية لمئات الكرات والفرص، وحال دون مئات الأهداف، لكنه لم يقدر على التصدي لقسوة الزمن. رحل شبارو بصمت. تذكّره كثيرون أمس بعدما نسوه سنوات. هي حال نجوم الجيل الذهبي القديم الذين يلعبون كرة القدم حباً وشغفاً بهذه اللعبة، وكان المال آخر همومهم. دفعوا وسيدفع غيرهم زمن جحود كثيرين نسوهم أو تناسوهم في خريف عمرهم، فأصبحوا درساً للأجيال القادمة. درسٌ عنوانه: كرة القدم لا تطعم خبزاً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا