تحوّل صباح يوم أمس الجمعة الى صباح أسود حزين. فبعد الساعة السابعة صباحاً بقليل، توفّي اللاعب محمد عطوي وهو في سريره في قسم العناية الفائقة في مستشفى المقاصد. هناك رقد عطوي لما يقارب الشهر بين الحياة والموت بعدما أصابته رصاصة طائشة في منطقة الكولا، حيث كان يقضي مصلحة خاصة. قضاءٌ كان متوقعاً نظراً إلى الحالة الحرجة التي كان فيها عطوي، بعد تعذّر استخراج الرصاصة من رأسه. صارع عطوي الموت، وإلى جانبه والدته التي ما كانت تتمنّى شيئاً سوى أن يستيقظ ولدها من غيبوبته ويتكلّم معها. لم يكن يهمّها بأية حال سيستيقظ، لكن المهم أن يستفيق من غيبوبته. لم يتحقق حلم الأم، ففجعت بموت ابنها بسبب... رصاصة طائشة.

عمّ الحزن الوسط الرياضي أمس، وخصوصاً كرة القدم، بعد خبر الوفاة الذي جرى تناقله بسرعة كبيرة صباحاً، فكان استذكار للاعب وأهدافه وصوره.


بين العاصمة بيروت، موقع المستشفى الذي كان يرقد فيه جثمان الراحل، وبلدة حاروف الجنوبية، طويلة كانت المسافة. زحفت عائلة كرة القدم الى مسقط رأس الراحل لتوديعه وإلقاء النظرة الأخيرة على نعشه قبل أن يوارى في الثرى. لاعبون ومدربون وإداريون وجمهور، وكثيرون من محبي الراحل عطوي توجّهوا الى بلدته الجنوبية، وسط مشاعر الحزن والغضب. الحزن لفقدان عزيز في ريعان الشباب. لم يكمل عامه الثالث والثلاثين، فسقط ضحية رصاصة طائشة. شهيدٌ. مظلوم. فقيد. راحل. قد تتعدد الصفات، لكن النتيجة واحدة: رحل محمد عطوي.
صحيحٌ أن لكل ميتَة سبباً، لكن ما هو مؤلم في سبب وفاة اللاعب هو أنه: رصاصة طائشة. سبب خلق حالة غضب لدى كثيرين، فكان المطلب الرئيسي هو الكشف عن ملابسات الجريمة والاقتصاص من الذين ارتكبوا هذا الجرم.
منذ الواحد والعشرين من آب الماضي، اليوم الذي حصلت فيه الحادثة، لم يكن هناك حديث كثير عن المجرى القضائي والقانوني للقضية. الجميع كان ينتظر أن يستفيق اللاعب ويعود الى أهله وأصدقائه ومحبيه. لكن هذا لا يعني أن التحقيقات كانت متوقفة. محامي اللاعب في القضية حسن بزي أكّد لـ«الأخبار» أن التحقيقات مستمرة، لكنه رفض الخوض في أي تفاصيل حفاظاً على سرية التحقيق. «اتفقت مع أهل محمد على أن يبقى موضوع التحقيق بعيداً عن الإعلام حتى نستطيع الوصول الى حقيقة، وخصوصاً أن التحقيق جدّي للغاية» يقول المحامي بزي.
مع نهاية يوم أمس، جرى تناقل خبرٍ بدا كأنه قادرٌ على قلب القضية برمتها لو كان صحيحاً. فمنذ وقوع الحادثة يوم الجمعة في 21 آب الماضي، كان هناك شكوك بأن اللاعب أصيب برصاصة طائشة قد تكون أطلقت خلال تشييع أحد ضحايا انفجار المرفأ، الذي كان يُشيّع في منطقة عين الرمانة.
جرى أمس تناقل خبرٍ كان سيقلب القضيّة لو كان صحيحاً


الخبر الذي جرى تناقله أمس هو أن الرصاصة التي استخرجت بعد وفاة اللاعب أمس هي رصاصة مسدس وليست رصاصة بندقية. خبرٌ يخلط الأوراق في القضية ويأخذها الى مكانٍ آخر، حيث إن رصاصة مسدس لا يمكن أن تكون طائشة من إطلاق نار في تشييع في عين الرمانة.
«الأخبار» حصلت على معلومات تؤكّد أن الرصاصة ليست رصاصة مسدس، بل هي رصاصة بندقية كلاشينكوف عيار 7.62 ملم، جرى استخراجها أمس من رأس الراحل عطوي، بحضور محاميه بزي الذي أكّد ذلك خلال حديثه إلى «الأخبار».
وتشير المعلومات الى أن التحقيقات جارية، وهناك موقوفون في القضية بجرم إطلاق النار خلال التشييع وحيازة أسلحة غير مرخّصة، وهناك محاولة للربط بين الجرم وحادثة اللاعب عطوي. ويتراوح الملف بين ثلاث جهات أمنية وقضائية: فصيلة الطريق الجديدة في قوى الأمن الداخلي، مفرزة بيروت القضائية وشعبة المعلومات. وأصبح الملف حالياً في عهدة شعبة المعلومات التي ستتابع التحقيق.


قد يكون العزاء الوحيد لأهل اللاعب القريبين منه أي عائلته، والبعيدين أي عائلة كرة الدقم هو معرفة الحقيقة وأن ينال الفاعل عقابه. أمرٌ قد يبرّد النار المشتعلة في قلوب كثيرين على لاعب أعطى كرة القدم أجمل سنوات عمره، وخطفه الموت وهو في عزّها. لكن العزاء الأكبر هو في أن تتحقق أمنية كثيرين بأن يتوقف هذا الفلتان ولا يبقى السلاح في أيدي البعض أداة لخطف أرواح أشخاص أعزّاء لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا في لحظة ما في المكان الغلط، لكن الأهم أنهم يعيشون في دولة يغيب فيها القانون.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا