ليس بالضرورة أن تكون دولة كبيرة في ميادين الرجال لكي يكون لديك منتخب عالي المستوى عند السيدات. طبعاً هي مقولة تحضر في بلدانٍ عدة في أوروبا وأفريقيا وآسيا، لكنها ليست ثابتة أذا ما أُخذت بعين الاعتبار معايير أساسية لعملية أي نجاحٍ على مستوى الرجال أو السيدات، فالمال ضروريّ، والبنى التحتية ضرورية، ووفرة المواهب أيضاً. لكن هناك أمر قد يعوّض غياب كلّ تلك النقاط المذكورة، ألا وهو الطموح المرفق بالإصرار على التعلّم والتطوّر عبر الاجتهاد للوصول إلى الأهداف المنشودة، وهو ما ينطبق على وضع لبنان عند الحديث عن «كرة النواعم».

الأهداف التي تحقّقت بنجاح في كرة القدم للسيدات تبدو مفاجئة مقارنةً بالظروف التي رافقت انطلاق الدوري اللبناني عام 2008. وقتذاك كان عدد اللاعبات الجيّدات محدوداً، وقد انضوت غالبية المميزات تحت لواء نادي الصداقة، ما مكّنه من السيطرة على اللقب. صحيح أنه في تلك الفترة كان المستوى الفني لا بأس به، لكنّ الوضع العام تقاطع مع عدة أمور أساسية، إذ لم يكن هناك اهتمام كبير بكرة السيدات إن كان لناحية التغطية الإعلامية الضعيفة، أو من جانب الأهالي الذين لم يهضموا مشاركة فتياتهم في لعبة التصقت بالرجال منذ نشأتها في لبنان. أضف مسألة أساسية وهي ممارسة قسم من اللاعبات لكرة القدم كهواية لتمضية وقت ممتع برفقة أصدقائهن، فظهرت لاعبات بحالات بدنية ضعيفة، في وقتٍ طرأت عادة غير مستحبّة وهي انسحاب فرق عدة من النشاط.

محطّة مفصليّة
لكن الأكيد أن فوز منتخب الناشئات بلقب بطولة العرب عام 2015، بدّل من النظرة إلى كرة الجنس اللطيف، فأصبح هناك إضاءة على اللعبة وزاد عدد الفرق رغم أن الانسحابات لم تتوقف، ورغم أن المنتخب تلقّى هزائم ثقيلة في مباريات خارجية. وتقلّصت النواحي السلبية عبر رفع عدد الدورات التدريبية الخاصة بالسيدات، إضافةً إلى تأهّل منتخب الشابات إلى الدور الثاني في كأس آسيا، ما أعطى جرعة معنوية وثقة كبيرة للاعبات، وزاد من قبول الأهالي لممارسة بناتهن للعبة.
وتُعتبر المحطّة الآسيوية المذكورة سلفاً محطّة مهمّة في طريق التأسيس للنجاحات، إذ عندما لعب المنتخب أمام منتخبات مثل فيتنام والكوريتين، ظهر الفارق في المستوى كونه واجه منتخبات تتدرّب يومياً. وهذه المسألة أدخلت قناعة إلى عقول الفتيات بضرورة التدرّب فردياً لتعويض النقص في وجود البنى التحتية، وعدم وجود مساحات للتمارين الجماعية بشكلٍ يوميّ لكلّ المنتخبات. كما اقتحمت فتيات صغيرات ميادين الفتيان في الأكاديميات الخاصة، فأفادهنّ هذا الاحتكاك (أمثال هدّافة منتخب الشابات ليلي اسكندر التي تدرّبت مع فريق الناشئين في السلام زغرتا)، لناحية منحهن قوة بدنية وتجارب استثنائية للاعبات المنخرطات في هذا الجو.

استفاد مدرب المنتخب من سرعة الفتيات في التعلّم وارتفاع مؤشر المستوى العام


فعلاً هي الجديّة التي انعكست مجهوداً، لكن طبعاً مع تخطيط دقيق بحسب ما تقتضيه الحاجة وما توفّره الإمكانات، وهو ما يشرحه مدرّب المنتخب الأول للسيدات وائل غرز الدين الذي رافق انطلاقة اللعبة، فيقول في حديثٍ مع «الأخبار»: «سبقنا منتخبات كثيرة في عملية بناء دقيقة ترتكز إلى الوجوه الشابة والموهوبة، ففي غرب آسيا كان معدل أعمار منتخبنا 18.9 عاماً، مقابل 28 عاماً لمنتخب الأردن، فقد شاركنا وقتذاك بـ 15 لاعبة شابة و5 من الفريق الأول، فحقق المنتخب المركز الثالث». ويوضح غرز الدين أهمية لعب الفتيات مع لاعبات أكبر منهنّ في السنّ، ما أعطاهن ثقة أكبر بأنفسهن و«أصبحن يلعبن تحت الضغوط ويعرفن التعامل معها».
هو الصبر لتعليم الفتيات أصول اللعبة والانغماس في النظام وتحقيق النتائج، وقد كان هذا الأمر حاضراً في بطولة غرب آسيا في البحرين، حيث ظهر منتخب الشابات مدركاً لكيفية التصرف بالكرة والتحرك من دونها، وبدا أن الشابات يتمتعنَ بفكرٍ كروي جيد لكن مع حاجةٍ ضرورية لتحسين الوضع بدنياً. ويشرح غرز الدين حول هذه النقطة: «سيتمّ العمل على الخطوات التي تضيّق الهوة مع كبار القارة ضمن الإمكانات، فإذا كانت البنى التحتية غير مؤمّنة يمكن العمل على جوانب نفسية وذهنية وفنية أخرى ترفع من مستوى اللاعبات من نواحٍ معينة».

تحضيرات محدودة
الأكيد أكثر أن الأداء المميز والنتائج التي تمّ الاحتفال بها عبر تحقيق لبنان انتصارات سهلة على كلّ خصومه في البطولة الإقليمية، كان يمكن أن تكون حتى أفضل لو استطاع المدرب هاغوب ديميرجيان تطبيق كلّ البرنامج المخصّص للتحضيرات. المدرب استفاد من سرعة الفتيات في التعلّم وارتفاع مؤشّر المستوى العام، بالتوازي مع ارتفاع مستوى الأندية المشاركة في الدوري الذي يضم 16 فريقاً حالياً (يقدّم الفيفا دعماً لكرة السيدات اللبنانية، ويغطي أجور الملاعب والحكام)، وهو ما يدلّ على نموٍ سريع مقارنةً ببلدان الجوار، علماً أنه يسمح للفرق بالاعتماد على لاعبة أجنبية واحدة فقط لمنح الفرصة للاعبات المحليات لخوض أكبر عددٍ من المباريات والاستفادة من الاحتكاك، وهي مسألة تقبل بها أكثرية الأندية التي غالباً ما تستقدم أجنبية في مرحلة الإياب أو في مرحلة «الفاينال فور» حصراً.

اللاعبات قدّمن مستوى جيّداً في جميع المباريات (عدنان الحاج علي)

ويقول ديميرجيان في حديثٍ مع «الأخبار»: «عوّضنا ضيق الوقت للتحضير من خلال الاستيعاب السريع للفتيات تجاه ما هو مطلوب منهنّ، فكان تعاونهنّ مفيداً إلى أبعد الحدود». وتابع: «لا أخفي إذا قلت إن مستوانا مقارنةٍ مع بقية منافسينا كان الأفضل، لكن المفارقة أن كل هذه المنتخبات كانت قد استعدّت بشكلٍ أفضل من خلال معسكراتٍ داخلية وخارجية ومباريات دولية وديّة، بينما اقتصرت مبارياتنا على لقاءين أحدهما مع فريق محلّي وآخر مع فريقٍ للشبان من دون أن تكون مدّة المباراتين كاملةً لأننا حصلنا على ملعبٍ لمدة ساعة ونصف لنقوم بالإحماء ونخوض المباراة».
أما ما أعطى الأفضلية لمنتخبه فيقول: «هو الأسلوب الذي وصفته بـ«على اللبناني»، وهو لا يعني أننا لعبنا بطريقة عشوائية أو اخترعنا شيئاً جديداً، لكن الالتزام بالخطة كان العلامة الفارقة عن بقية المنتخبات، وقد كان بالإمكان تنفيذها من من خلال الفكر العالي للفتيات اللواتي أجدنَ نقل الكرة من حارسة المرمى إلى الهجوم بسلاسة، وقد ظهر هذا الوصف في المباراة حيث سجلنَ هدفاً بهذه الطريقة».
إذاً كرة القدم للسيدات على الطريق الصحيح إذا حضرت العناية بها بشكلٍ يتلاقى مع المجهود الذي تقدّمه لاعباتها، وهنّ اللواتي قد يجد عدداً منهن الطريق نحو الاحتراف إذا ما واظبن على السير في درب التطوّر، وإذا ما وجدن الاهتمام الجدّي باللعبة والكفيل بعدم دفعهن إلى اليأس بل إلى المواظبة على العمل أكثر.