لا يختلف حال القطاع الرياضي في لبنان عن غيره من القطاعات التي تعيش أزمة حقيقية، في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها البلد على جميع الصعد سياسياً وأمنياً والأخطر اقتصادياً. يبدو أن البعض ينظر الى موضوع الرياضة على أنه من الكماليات أو ترفٌ، قد لا تكون الظروف الحالية مناسبة لممارسة هذا النوع من الترف. وربما يعتبر بعضٌ آخر ــــ وليس في الأمر مبالغة ــــ أن الرياضة هي عبارة عن ارتداء ملابس رياضية والتريّض على كورنيش المنارة أو ما شابه، لكن في الواقع فإن الرياضة في لبنان كما في غيره من البلدان هي قطاعٌ كامل تعتاش منه آلاف العائلات التي قد تكون أمام مستقبل مجهول في حال إهمال هذا القطاع، او اعتبار أن هناك أولويات معيشية تتقدم على الهم الرياضي.


لجنة الشباب والرياضة
انطلاقاً من هذه المعادلة ،كان يوم امس رياضياً بامتياز على اكثر من صعيد. البداية كانت من مجلس النواب، حيث عقدت لجنة الشباب والرياضة اجتماعاً هو الأول من نوعه بحضور رئيسها النائب سيمون أبي رميا، اضافة الى رؤساء اتحادات كرة القدم هاشم حيدر، كرة السلة أكرم الحلبي والكرة الطائرة ميشال أبي رميا.
حضرت الرياضة وواقعها المأزوم على مدى حوالى ساعة ونصف ساعة في المبنى التابع لمجلس النواب. وضع القيمون على هذه الاتحادات همومهم على طاولة لجنة الشباب والرياضة وخرجوا بمقترحات وأفكار أعلنوها في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع.
هدف الاجتماع كان واضحاً وقد أعلنه النائب أبي رميا، متحدثاً عن مشكلة كبيرة تعانيها الاتحادات، ما يؤثّر على نشاطها في ظل «التشنّج الحاصل على الصعيد السياسي والأمني المتنقل من منطقة الى أخرى، اضافة الى الواقع المالي الصعب على صعيد توقّف مساهمات وزارة الشباب والرياضة، وتعثّر الرعاة والشركات التي تموّل الاتحادات والأندية» كما قال أبي رميا.
الشق الأخير قد يكون الهاجس الأكبر لدى اللجنة والاتحادات. فالموضوع الاقتصادي يعتبر الهم الأول الذي تدور حوله معظم النقاشات. موضوع توقّف مساهمات وزارة الشباب والرياضة عام 2020 انطلاقاً من توصية للجنة المال والموازنة شكّل صدمة للمعنيين. أمرٌ عبر عنه وزير الشباب والرياضة محمد فنيش في كتاب أرسله الى لجنة المال رفض فيه وقف المساعدات المالية للاتحادات والأندية التي تقدمها الوزارة. ووصل الأمر بالوزير فنيش الى الدعوة الى إلغاء وزارة الشباب والرياضة في حال توقيف المساعدات، في دلالة على مدى أهمية هذه المساعدات.
الوزارة لم تحضر في الاجتماع أمس، لكن «ملائكتها» كانت حاضرة عبر استغراب البعض عدم دعوتها. أمرٌ وضعه أبي رميا في إطار عدم وجود سوء نية، وهو لقاء تشاوري بين لجنة نيابية واتحادات رياضية، مؤكّداً أن وزارة الشباب والرياضة شريكٌ أساسي والتنسيق معها قائم. فاللجنة تهتم بشكل كبير لموضوع المساعدات التي تقدمها الوزارة وهي حريصة على استمرارها، رافضاً ردّ ديوان المحاسبة لطلبات صرف المساعدات التي قدمتها وزارة الشباب والرياضة. وأكّد أبي رميا أن بند وقف المساعدات في الموازنة لن يمر. «تحدثت مع رئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان في الموضوع وشرحت له أهمية المساهمات المالية الرياضية، ومن المحتمل أن يكون هناك استثناءات لوزارة الشباب والرياضة كما حصل مع جمعيات تستفيد من وزارة الشؤون الاجتماعية».

قرر اتحاد كرة القدم استكمال الموسم بصيغة اختيارية جديدة من دون أجانب


قرب العدلية وتحديداً في وزارة الشباب والرياضة، كان هناك استغرابٌ لعدم دعوة الوزارة الى الاجتماع، لكن أجواء الوزارة تعتبر أن ما حصل لا يخرج عن حسن النية أيضاً. في الوقت عينه، توقفت مصادر وزارية عند ما تمت مناقشته، معتبرة أن إلغاء المساعدات جاء من لجنة المال دون معرفة طبيعة هذه المساعدات. «هي مساهمات تشغيلية للاتحادات الرياضية والأندية وليست مساعدات. وتندرج هذه الأموال من ضمن موازنة هذه الاتحادات والأندية التي تعتمد عليها بشكل رئيسي في نشاطها الرياضي الداخلي والخارجي، علماً بأن هذه المساعدات لا تصل الى 1% من مجموع الموازنة العامة حيث ان مبلغ الـ 4,8 مليارات ليرة يعتبر زهيداً مقارنة بالأرقام الأخرى في الموازنة»، تقول مصادر الوزارة حول موضوع المساعدات.

موسم لعبة كرة القدم
الشق المتعلّق بكرة القدم تحدث عنه رئيس الاتحاد هاشم حيدر الذي أشار الى أن الظروف الاستثنائية على جميع الصعد تفرض اجراءات استثنائية، لافتاً الى اقتراحٍ جيّد تمت مناقشته في الاجتماع وهو اصدار قوانين تعفي الشركات التي تدعم الرياضة من الرسوم والضرائب، وهو أمرٌ ستعمل لجنة الشباب والرياضة على النظر فيه، وصولا ربما إلى إقراره بمساعدة السلطة التنفيذية.
لم يتأخر اتحاد كرة القدم عن ترجمة كلام رئيسه الى قرارات حين اجتمعت اللجنة التنفيذية ظهر أمس، وقررت إكمال الموسم وفق صيغة جديدة قائمة على اطلاق الموسم من جديد بمرحلة واحدة دون هبوط الى درجة ادنى، والمشاركة فيه من قبل الأندية تكون اختيارية، مع اقامة البطولة باللاعبين المحليين دون أجانب. وتقرر خلال الاجتماع مهلة عشرة أيام لرد الأندية حول مشاركتها في البطولة أو عدمها، وبعد ذلك يتم وضع الصيغة النهائية والنظام الفني وفقاً لعدد الأندية. فهناك أكثر من نقطة يجب دراستها قبل وضع النظام الفني، كموضوع اللاعبين المعارين وإمكانية عودتهم الى أنديتهم واللعب معها في حال لم ترغب انديتهم الحالية باللعب. أضف الى ذلك ضرورة وضع ضوابط لعدم انسحاب اي نادٍ بعد انطلاق البطولة في ظل عدم وجود هبوط، عبر وضع قرارات ردعية، الى جانب أمور فنية عديدة سيتم بحثها بعد انتهاء مهلة العشرة أيام. وتشير المعلومات الى أن معظم الأندية ستشارك بعد ان تكون قد درست أوضاعها واجتمعت بلاعبيها.
ويأتي قرار الاتحاد كبارقة أمل الى العاملين في الوسط الكروي والمعتاشين منه، حيث سيحصل هؤلاء على مداخيل كانت ستغيب لو تم إلغاء الموسم وهو ما تنبّه إليه اتحاد اللعبة الذي أصرّ على عدم إلغاء الموسم كونه «يقتل اللعبة والرياضة ويؤثّر سلباً على العاملين فيها. فالهدف هو مصلحة اللعبة وأهلها» كما قال رئيس الاتحاد هشام حيدر خلال المؤتمر الصحافي وبعده أمس.

الأمور أصعب في السلة
في لعبة كرة السلة، تبدو الأمور مختلفة. لم يصدر قرارٌ رسمي عن الاتحاد، أمس، لكن المعطيات تشير الى توجّه لتأجيل الموسم حتى إشعار آخر. «مكرهٌ أخاك لا بطلا». عبارة يستعملها أحد المسؤولين لشرح أسباب القرار الذي سيتخذ. فبعكس لعبة كرة القدم، تبدو الأمور مختلفة في ظل عدم حصول الاتحاد اللبناني على مساعدات من الاتحاد الدولي كما يحصل في كرة القدم. خمسة عوامل تلعب دوراً في دفع الاتحاد نحو اتخاذ قرار التأجيل كما يقول المسؤول السلّوي لـ«الأخبار».

يبدو أن الأمور تسير نحو تأجيل بطولة كرة السلة إلى أجلٍ غير مسمى(سركيس يرتيسيان)

العامل الأول هو إبلاغ التلفزيون الناقل للبطولة اعلان اتحاد كرة السلة توقفه عن نقل المباريات ودفع الأموال.
العامل الثاني توقف الراعي الرسمي عن دفع الأموال نتيجة عدم تجديد عقده مع الدولة اللبنانية، وبالتالي لا يمكن لشركة الاتصالات الراعية تنفيذ عقدها مع الاتحاد.
العامل الثالث يتعلّق بصعوبة حركة الأموال في المصارف، وبالتالي عدم القدرة على تأمين المال لدفع الرواتب.
العامل الرابع هو الجمهور وصعوبة حضوره للمباريات في ظل تمنّع أمني كون ملاعب كرة السلة صغيرة وإمكانية حدوث مشاكل مرتفعة.
أما العامل الخامس فهو الوضع الأمني وانعكاسه على التنقل بين المناطق. «كيف أضمن لأي فريق يتوجه الى البقاع للعب على أرض فريق أنيبال زحلة أن لا تقطع الطرقات عليه ذهاباً أو إياباً؟ وكيف أضمن لأي فريق متوجّه الى طرابلس أن لا يكون مهدداً في ظل التوترات الحاصلة على طول الطريق من بيروت الى الشمال؟» يسأل المسؤول الاتحادي في حديثه مع «الأخبار».
كل هذه المعطيات تدفع المعنيين الى اتخاذ القرار المرّ ما لم يطرأ جديد يغيّر في واقع الحال.
أما في لعبة كرة الطائرة، فقد أشار رئيس الاتحاد ميشال أبي رميا الى أن اجتماعاً سيعقد يوم الاثنين لاتخاذ قرار حول البطولة التي كان من المفترض أن تنطلق مطلع العام «لكن جرى تأجيلها وإلغاء العنصر الأجنبي فيها بانتظار استتباب الوضع»، كما قال رئيس الاتحاد في المؤتمر الصحافي.
إذاً، هو يوم طويل للرياضة اللبنانية يُنتظر أن تتبعه أيام أخرى مع بداية العام، من أجل إعادة وضع الرياضة اللبنانية على السكة الصحيحة. الظروف صعبة على الجميع، وكل يوم يخبّئ تطورات جديدة.