يمكن وصف عام 2019 الذي شارف على النهاية بعام التفوّق العربي في كرة القدم. منصّات التتويج عرفت الكثير من الوجوه العربية إن كان على صعيد الأندية أو المنتخبات. الجزائر عادت من جديد إلى الواجهة الأفريقية، قطر ومشروعها الكبير أثمر تتويجاً آسيوياً. وعلى مستوى الأندية رفع الهلال السعودي كأس القارة الصفراء، وقبله توّج الترجي بالكأس الأفريقية، كما كان للبنان حصة في هذه الإنجازات عبر نادي العهد الذي رفع لقب كأس الاتحاد الآسيوي، للمرة الأولى في تاريخ الأندية اللبنانية.

أداء استثنائي قدّمه المنتخب الجزائري لكرة القدم في بطولة كأس الأمم الأفريقية الأخيرة في مصر. انتصارات كبيرة وأداء عالٍ ومدرّب طموح، أوصلت «أبناء الصحراء» إلى اللقب الأغلى على الصعيد الأفريقي. لكن، ما هي أسباب هذا التتويج؟ وكيف انتقل منتخب الجزائر من الضعف والتذبذب في المستوى إلى واحد من أهم وأبرز المنتخبات في أفريقيا والعالم.
الإجابة ليست صعبة، فالمدرّب الجزائري جمال بلماضي يملك تشكيلة مميزة مدجّجة بلاعبين أصحاب خبرة وبلاعبين شباب يُنتظر منهم الكثير في المستقبل القريب. لعلّ أهم وأبرز اللاعبين في تشكيلة المدرب بلماضي، هو لاعب مانشستر سيتي الإنكليزي رياض محرز. الأخير، خاض تجربة تاريخية في إنكلترا، تمثّلت بتتويجه بلقب الـ«بريميرليغ» برفقة فريقه السابق ليستر سيتي، ومن ثم توّج باللقب عينه تحت شعار «البلو مون»، وهذا ما زاد من خبرة ومهارة هذا اللاعب المميز، الذي توّج بجائزة أفضل لاعب في الدوري الإنكليزي عام 2016.
إلى جانب محرز هناك الكثير من اللاعبين الجزائريين الذين برزوا خلال البطولة الأفريقية، بينهم صانع الألعاب يوسف بليلي. الأخير كان نجماً للبطولة، فمهاراته وتمريراته لعبت دوراً كبيراً في تتويج الجزائر باللقب. إضافة إلى بليلي، يجب تسليط الضوء على لاعب ميلان الإيطالي الحالي ولاعب إمبولي السابق اسماعيل بن ناصر، أفضل لاعب في البطولة الأفريقية عن جدارة واستحقاق. لاعبون مميّزون ومدرّب عرف كيف يدير الكرة فيما بينهم، ليثمر هذا العمل تتويجاً جزائرياً مستحقّاً، ودخول التاريخ من أوسع أبوابه.

تطوّر مستوى الأندية والمنتخبات العربية في السنوات الأخيرة بشكل لافت


التفوّق العربي على مستوى المنتخبات، ترافق مع تفوق على مستوى الأندية أيضاً. إذ تمكّن نادي الترجي التونسي من الفوز بلقب دوري أبطال أفريقيا للأندية، وذلك بعد أن أثارت مباراة إياب النهائي مع الوداد البيضاوي المغربي جدلاً كبيراً في الأوساط الإعلامية الأفريقية والعالمية (انتهت مباراة الذهاب بالتعادل الإيجابي 1-1 في الرباط). وفي لقاء الإياب، انسحب لاعبو نادي الوداد من المباراة بسبب احتجاجهم على تعطّل تقنية الـ«VAR». وبالتالي، أعطى الاتّحاد الأفريقي لكرة القدم اللقب لصالح الترجي التونسي على حساب نظيره المغربي.

الذهب الآسيوي للعهد والهلال
على الساحة الآسيوية برز في 2019 المشروع الكروي القطري. سنوات العمل الطويلة أثمرت منتخباً قطرياً شاباً، توّج بلقب كأس آسيا لكرة القدم على حساب المنتخب الياباني وبنتيجة (3-1). خلال البطولة الآسيوية، مالت الترشيحات لمصلحة منتخبات شرق آسيا، أي اليابان، كوريا الجنوبية... توقعات منطقية، نظراً إلى تفوّق هذين المنتخبَين على غيرهما من المنتخبات الآسيوية تاريخيّاً. المنتخب القطري كسر هذه التوقعات فبدأ البطولة تحت شعار الـ«حصان الأسود»، وختمها على منصّة التتويج. تعرفت الجماهير خلال بطولة آسيا إلى أسماء لم تكن تعرفها، والفضل يعود إلى المدرب الإسباني فيليكس سانشيز، الذي قاد سفينته بنجاح. أسماء كمهاجم المنتخب القطري وهدّاف البطولة التاريخي خلال مسابقة واحدة، المعز علي (9 أهداف خلال 7 مباريات)، إضافة إلى صانع الألعاب الشاب أكرم عفيف الذي كانت له تجربة احترافية في إسبانيا (قدّم 10 تمريرات حاسمة لزملائه خلال البطولة الآسيوية). المعز علي وعفيف، هما نتيجة هذا المشروع، الذي بدأ مع أكاديمية «آسباير للتفوق الرياضي»، والتي خرّجت غالبية اللاعبين الذين يمثّلون «المنتخب العنّابي» حالياً. (المدرب فليكس كان مع مجموعة من اللاعبين منذ أكثر من 7 سنوات في الأكاديمية).
أمّا على صعيد الأندية، فلم تغِب الانتصارات عن الفرق العربية أيضاً، ولعلّ الحدث الأبرز تمثّل بتتويج نادي الهلال السعودي بطلاً لدوري أبطال آسيا على حساب نادي أوراوا الياباني (فاز الهلال في مباراتي الذهاب والإياب بنتيجة حصيلتها الأخيرة 3-0). الأندية الخليجية تتفوّق على معظم أندية العرب فنيّاً نظراً إلى الإمكانات الكبيرة التي تملكها. من يستطيع مواجهة أندية الخليج خاصة السعودية والقطرية من العرب، هي أندية شمال أفريقيا. أسماء مميّزة تحترف كرة القدم في السعودية وقطر، وهي ساعدت على تطوير مستوى كرة القدم هناك. يمتلك نادي الهلال لاعبين مميزين، على غرار الإيطالي سيباستيان جيوفنكو لاعب يوفنتوس وتورونتو السابق، والمهاجم الفرنسي ولاعب مرسيليا السابق فافيتمبي غوميس (هدّاف البطولة برصيد 11 هدفاً خلال 14 مباراة). أسماء بإمكانها صناعة الفارق في أيّ وقت.

أهدى نادي العهد لبنان لقبه الآسيوي الأوّل (أرشيف)

وأيضاً في آسيا، أكّد نادي العهد اللبناني هيمنة أندية غرب آسيا على لقب كأس الاتّحاد الآسيوي، إذ لم يفُز فيها فريق من خارج هذه المنطقة سوى نادي جوهر دار التعظيم الماليزي في 2015، بينما توّجت أيضاً دول وسط آسيا باللقب في مناسبة واحدة أيضاً عبر ناساف كارشي الأوزبكي في 2011. ولم يتلقَّ بطل لبنان في السنوات الماضية أيّ خسارة في مبارياته الـ11 خلال البطولة الآسيوية (حقق زملاء أحمد زريق فوزهم السابع في المباراة النهائية مقابل أربعة تعادلات)، واهتزّت شباك حارس المرمى مهدي خليل ثلاث مرات فقط. قدّم العهد أداءً قوياً خلال مشواره في البطولة، وتمكّن من الفوز على منافسين من العيار الثقيل كالوحدات والجزيرة الأردنيين حتّى تمكّن من بلوغ المباراة النهائية. ويعدّ فوز العهد بهذا اللقب الأول من نوعه في تاريخ كرة القدم اللبنانية. ولعلّ أبرز الأسباب التي ساهمت بفوز العهد في البطولة هي هيمنته على الألقاب المحلية، إضافة إلى الالتزام الكبير لدى اللاعبين والإدارة، التي قدّمت بدورها جهوداً كبيرة للوصول إلى هذا «الحلم».
فوز العهد باللقب الأغلى جاء بعد محاولات كثيرة، راكم عليها النادي اللبناني إلى أن حقّق المراد هذا العام. ونال حارس مرمى الفريق اللبناني مهدي خليل جائزة أفضل لاعب في البطولة ليؤكّد هذا التفوق.
ما يمكن استنتاجه من هذه السنة المميزة بالنسبة إلى الأندية والمنتخبات العربية، هو أنّ التطوّر في الأداء والإصرار على بلوغ الأهداف لا حدود لهما، ومن الممكن مع الوقت، أن تتغيّر صورة المنتخبات العربية في المحافل الدولية ككأس العالم وكأس القارات. وما قدّمه المنتخب الجزائري في مونديال البرازيل 2014 والمنتخب المغربي في مونديال روسيا 2018، يمكن أن يتكرّر مع أكثر من منتخب عربي في المونديال القطري عام 2022. الاحتراف في الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى، يعطي الكثير من الخبرة للاعبين العرب، وسيكون كلّ من نجح أوروبياً كمحمد صلاح نجم ليفربول الإنكليزي ورياض محرز نجم مانشستر سيتي مثالاً يُحتذى للكثير من اللاعبين العرب في المستقبل للوصول إلى أعلى المستويات، وخدمة منتخباتهم في البطولات الدولية.


أكرم عفيف أفضل لاعب آسيوي


نال القطري أكرم عفيف جائزة الاتحاد الآسيوي لكرة القدم لأفضل لاعب في القارة لعام 2019، والذي رفع خلاله مع منتخب بلاده كأس آسيا للمرة الأولى، وساهم في بلوغ ناديه السد الدور نصف النهائي لمسابقة دوري الأبطال. وتفوق اللاعب القطري الشاب البالغ من العمر 23 عاماً، على حارس المرمى الإيراني المخضرم علي رضا بيرانفاد لاعب نادي بيرسيبوليس، والياباني توموكي ماكينو الذي ساهم في قيادة فريقه أوراوا ريد دايموندز الى نهائي دوري الأبطال قبل الخسارة أمام الهلال السعودي.
واختيرت ساكي كوماغاي لاعبة ليون الفرنسي والمنتخب الياباني أفضل لاعبة.