لا يخفى أن كرة القدم للصالات أضفت جوّاً تنافسياً جميلاً على الرياضة اللبنانية عامةً بعد سنوات قليلة فقط على انطلاقها في لبنان، فتسابقت القنوات التلفزيونية إلى نقل مبارياتها النهائية، ودخلت إليها الأندية المعروفة، وانتشرت بسرعة البرق في المحافظات المختلفة حتى أصبحت واحدة من الرياضات الشعبية، وهو أمر أثبته الكثير من اللقاءات في القاعات المغلقة الخاصة بها. وشعبية الفوتسال لم تتوقّف عند هذا الحدّ، إذ أنها لفتت الأنظار إليها مع النتائج الطيّبة التي دأب المنتخب الوطني على تحقيقها، حيث وقف غالباً بين أفضل ثمانية منتخبات في القارة الأكبر في العالم. أضف أنه مع إقرار فصلها عن اللعبة الأم أي كرة القدم لناحية ارتباط اللاعبين باللعبتَين، اختار لاعبون كثر الملعب الصلب على حساب نظيره المعشّب.

مواسم كثيرة مثيرة مرّت على دوري الدرجة الأولى، ومواجهات نهائية مميزة شهدتها اللعبة، ونجوم أجانب أصحاب سمعة معروفة جذبتهم الأندية وشارك منهم معها على الصعيد الخارجي. لكن الموسمين الأخيرين على أقل تقدير شهدا تبدّلاً جذرياً في حال اللعبة عامةً، وذلك رغم العناية الخاصة بها من قبل القيّمين عليها الذين لم يتوقفوا عن ابتكار أسسٍ جديدة لتطويرها، فولدت بطولة اللاعبين دون الـ18 عاماً ثم في الموسم الماضي بطولة دون الـ16 عاماً، لكي تشكّل رافداً للفرق والمنتخبات تالياً مع ظهور عددٍ من المواهب.
وبما أن اللعبة اعتادت على البحث عن الإيجابيات، فإن البحث أيضاً كان مرتكزاً دائماً على تذويب السلبيات، وعلى رأسها ما حُكي عنه كثيراً بغياب المنافس الحقيقي لبنك بيروت المسيطر على الألقاب بفعل جمعه أبرز لاعبي لبنان ضمن صفوفه، وهو أمر مكّنه من الظهور بصورة مشرّفة في بطولة الأندية الآسيوية، وتحديداً في نسختها الأخيرة حيث خرج من الدور ربع النهائي أمام ميس سونغون بطل إيران وآسيا في الموسم الماضي وبفارق هدفٍ وحيد بعد التمديد.

بين التطوير والإيجابيات
اليوم ومع حلّ التواقيع تطلّع كثيرون إلى تغييرٍ في الجوّ العام، وهو أمر لن يحصل على ما يبدو، حيث قد يبقى البطل متوّجاً سلفاً بحسب ما اتفق عليه الجميع في الموسمين الماضيين، إذ أن بنك بيروت لم يخسر في الموسم الماضي إلا مباراة واحدة وكانت في سلسلة مباريات النهائي أمام الجيش اللبناني، بينما أنهى الموسم قبل الماضي من دون أيّ هزيمة!
هو إنجاز يُحسب لهذا الفريق، وحق مشروع له طبعاً بفعل عمله الدؤوب للحفاظ على لقبه موسماً بعد آخر، ما يحتّم على الفرق الأخرى البحث عن حلولٍ تجعلها تضيّق الهوة مع الفريق البطل، وهي مسألة متاحة بحسب المتابعين، إذ تلتقي آراء كثيرة عند نقطة تقول بأن فريق الجيش لو استطاع ضمّ أجانب لكان بإمكانه إحراج بنك بيروت وربما التفوّق عليه، بينما سيكون بإمكان الشويفات وضع ضغطٍ عليه لو استقدم أجانب على مستوى عالٍ، علماً أنه يمكن إشراك أجنبيين على أرض الملعب واستبدالهما بين مرحلتي الذهاب والإياب وقبل مرحلة «الفاينال فور».
لكن كلّ هذه الآراء تبقى في دائرة الفرضيات، ولا تسقط مجموعة من الإيجابيات التي أفرزتها البطولة رغم المستوى الفني العام الذي عرفته، إذ أنها قدّمت عدداً من الوجوه الشابة الجديدة والواعدة، وهو أمر تُرجم في مشاركة منتخب دون الـ20 عاماً في كأس آسيا حيث بلغ ربع النهائي وخسر أمام «البعبع» الإيراني (2-3) بعد التمديد، وهي نتيجة لافتة جداً بالنظر إلى الفارق الكبير الدائم بين فوتسال إيران ولبنان.
ومن الإيجابيات أيضاً الانتشار الواسع للعبة على صعيد المدارس والجامعات والمناطق كافةً من الشمال إلى الجنوب والداخل اللبناني، وذلك في بطولات الدرجات والفئات المختلفة. وهذا الأمر يعني المزيد من الملاعب التي تتعرف على الفوتسال، وتالياً المزيد من اللاعبين.
أيضاً من الإيجابيات هو إقرار الفصل النهائي بين الفوتبول والفوتسال حتى على صعيد الفئات العمرية، في وقتٍ يتجه فيه الاتحاد اللبناني إلى إصدار قرارٍ مشابه لذاك الذي عرفته كرة القدم أخيراً، ويتمثّل بإشراك لاعبين بسنّ الـ22 وما دون لعددٍ محددٍ من الدقائق خلال الموسم، وهي مسألة تهدف إلى إعطاء الفرصة للاعبين الشبان ومنحهم المزيد من الوقت والخبرة على أرض الملعب من قبل المدربين الذين تطالهم الشروط التطويرية أيضاً وتحديداً في ما خصّ الاشتراط عليهم بالحصول على شهادة آسيوية من المستوى الثاني للسماح لهم بالإشراف على الفرق.

قلقٌ من الانسحابات
ورغم كلّ هذه الخطوات التطويرية والنتائج اللإيجابية وخصوصاً الخارجية، بقيت السلبيات المؤثّرة حاضرة في مكانٍ ما، وهي لا ترتبط فقط بالفوارق الفنية بين الفرق أو أقلّه بين البطل والأكثرية الساحقة منها، بل بعدم دخول مصادر تمويل جديدة إلى اللعبة، ما قلّص من القدرة الشرائية للأندية في سوق العرض والطلب، وحتى على استمرارية عددٍ منها في البطولات، وسط الكلام عن نيّة فرقٍ في الدرجة الأولى للانسحاب، وهي خطوة أكدها حتى الآن ناديان هما حومين والعمل بكفيا اللذين أرسلا كتاباً رسمياً بهذا الشأن.
والعمل بكفيا ليس نادياً عادياً عندما يرتبط الأمر بكرة الصالات، إذ بين الأكاديمية التي أطلقها مطلع السنة الحالية، وبين فريق الرجال وفريق الشباب وفريق السيدات، يضمّ النادي حوالى 150 لاعباً ولاعبة. لكن بما أن الفريق الأول له الثقل الأكبر لناحية التمويل كان قرار الانسحاب بحسب ما يؤكد مدير فرق الفوتسال جاك أباجيان. ويضيف في اتصالٍ مع «الأخبار»: «السبب الوحيد لانسحابنا هو عدم قدرتنا على تأمين التمويل اللازم، إذ أن من الصعب جذب أحد المعلنين إلى اللعبة بعكس كرة القدم أو كرة السلة مثلاً». ويعقّب: «هناك ديون مترتبة علينا للاعبين والمدربين، وننوي دفعها لكي لا نكون قد نكثنا بوعودنا لأيّ أحد، لذا ارتأت الإدارة الجديدة الانسحاب ومن ثم العودة بهيكلية أخرى انطلاقاً من بطولة الدرجة الثانية، ولو أن هذا القرار كان صعباً علينا، لكن الأصعب بالتأكيد هو تأمين عنصر المال الضروري لخلق فريقٍ جيّد».
فريقٌ آخر يبدو في طريقه إلى ترك اللعبة عبر بيع ترخيصه إلى جهةٍ أخرى، وهو فريق الزوق الذي كان قد ترك بصمة على صعيد فريقَي الرجال والسيدات، لكن السبب ليس واضحاً حتى الآن، ولو أن مدربه فريد نجيم قال لـ«الأخبار»: «إن الجو العام للعبة لا يشجعنا على الاستمرار، إذ شعرنا بأن هناك ما لا يساعدنا على العمل، وقد واجهنا مشكلات عدة في الموسم الماضي ورغم ذلك بلغنا مرحلة «الفاينال فور»، لكن كنا نأمل أن تكون الأمور عادلة وتأخذ منحى مختلفاً، وتبقى اللعبة كما عهدناها، لا أن يتقلّص عدد فرقها كما يحصل، وهو عددٌ مرشح ليصبح أقل في ظل عدم وضوح الصورة بالنسبة إلى بعض الفرق أيضاً».
إذاً بين الخطوات التطويرية الحتمية وبين النتائج الإيجابية الخارجية وبين المشاكل المالية، تبقى الفوتسال بين دائرة الضوء ودائرة الخطر، بانتظار نقطة تحوّل تعيد إليها وهج بداياتها وتدفعها أكثر إلى مستقبلٍ أفضل يواكب الفورة التي عرفتها على مختلف الأصعدة.



نهاية بطولة السيدات؟
قبل موسمين وصلت بطولة السيدات إلى أعلى مستوياتها، حيث شهدت نهائي جماهيري مميز من خمس مباريات بين فريقي زوق مصبح ونادي 1875، وسط مشاركة أفضل لاعبات لبنان على صعيدي الفوتبول والفوتسال في البطولة، إضافةً إلى ضم الفرق للاعبات أجنبيات يتمتعن بمستوى عالٍ.
لكن في الموسم الماضي ومع إقرار الفصل التدريجي بين كرة القدم وكرة الصالات، حيث تمّ السماح بإشراك 4 لاعبات فقط من اللعبة الأم مع كل فريق (على أن يصبح العدد 3 في الموسم التالي، ثم 2 وبعدها لاعبة واحدة حتى الفصل النهائي)، توالت انسحابات الفرق التي لم تستطع تأمين تشكيلات كاملة بسبب تفضيل أبرز اللاعبات الذهاب نحو الملاعب الخضراء.
وتكرر الأمر منذ فترة، إذ تبيّن أن 3 فرق فقط مستعدة للمشاركة في البطولة بعد إقرار الفصل النهائي، ثم تقلّص العدد إلى فريقين، ما يضع مستقبل البطولة في المجهول وقد يعني نهاية اللعبة على صعيد السيدات، وهي التي كانت قد بلغت مرتبة تطويرية متقدّمة وأفرزت منتخباً جيّداً.