كثيرة هي الأسماء اللبنانية التي تعرّف عليها الجمهور من بوابة المنتخب وتركت أثراً، فيه وتمنّى لو أنها تدافع عن ألوان ناديه. من جوان العمري الألماني النشأة، مروراً بباسل جرادي الذي وضع بصمة من أول مباراة دولية له، ووصولاً إلى الأخوين فيليكس وروبرت ملكي اللذين أطلق عليهما الجمهور لقب «الدفيشة» وأصبح مترقِّباً لكل ما يفعلانه على أرض الملعب ومشيداً بهما.

طبعاً هذه الأسماء وسواها كانت قد ظهرت على الساحة اللبنانية تباعاً، وصار الاهتمام بها من قِبل الأندية المحلية واضحاً بعد كأس آسيا الأخيرة. لكن مهمّة هذه الأندية لجذبها إليها ليست بالسهلة لاعتبارات عدة، وهي كانت تدرك هذا الأمر في حالاتٍ مختلفة، وذلك انطلاقاً من التجربة التي مرّ بها المنتخب خلال فترة تولّي المونتينغري ميودراغ رادولوفيتش قيادة الجهاز الفني، حيث كرر أكثر من مرّة أنه يتعب جاهداً لإقناع الكثير من اللاعبين ذوي الأصول اللبنانية للدفاع عن ألوان منتخب لبنان.
هذه الحالة ظهرت ربما في قصة انضمام جرادي إلى المنتخب، وفترة القلق التي عاشها القيّمون بعد تخلّفه عن الالتحاق به ثم انضمامه اليه في مرحلةٍ لاحقة. ويمكن ضرب المثل بجرادي للدلالة على أن المنتخب الذي يُعدّ واجهة للاعب وإضافة إيجابية إلى سيرته الذاتية، قد لا يهمّ اللاعب المغترب بقدر ما تهمّه مسيرته في أوروبا، فكيف الحال إذا ما كان نادياً لبنانياً يسعى للحصول على خدماته.
مصدرٌ متخصص وناشط في سوق العرض والطلب، لا يستغرب مسألة تجاهل اللاعبين المغتربين للعروض التي تقدّمها إليهم الاندية اللبنانية، وذلك لسببٍ أساسي يُختصر بالوضع العام لكرة القدم اللبنانية.
ويروي مصدرٌ آخر مقرّب من دائرة لاعبي المنتخب القادمين من الخارج، بأن غالبيتهم شعر بالقلق قبل اتخاذ خطوة القدوم الى لبنان للدفاع عن ألوان المنتخب الأول، ولو أنهم علموا أنه من شبه المستحيل بالنسبة اليهم تمثيل منتخبات البلدان التي ولدوا ونشأوا فيها. وربما المثال الأوضح حول هذا الطموح غير المعلن عند هؤلاء اللاعبين، ما همس به جرادي في مجالس خاصة بأنه تردّد بقبول دعوة لبنان كونه كان يأمل بأن يرتفع مستواه ويتم استدعاؤه إلى منتخب الدنمارك. المهم أنهم في النهاية ارتدوا القميص الأحمر، لكنهم لا ينوون ارتداء أي لونٍ آخر يرتبط بالكرة اللبنانية، أي أنهم غضوا النظر عن تواصل معهم للارتباط مع أحد الاندية المحلية، وتحديداً اندية المقدّمة التي قيل إنها ترغب بالحصول على خدمات هلال الحلوة وعمر شعبان والأخوين ملكي. والأكيد أن هؤلاء، وفي حال صحّت الأنباء حول رفضهم فكرة اللعب في الدوري اللبناني، فإنهم لم يرفضوها لأسبابٍ مالية، إذ أن الحلوة مثلاً فضّل اللعب في الدرجة الثالثة الألمانية مع فريق «أس في ميبين» بعدما كان قد احترف في الدرجة الأولى اليونانية مع أبولون سيميرنيس. هو كانت لديه الفرصة للعب مع أحد كبار الدوري هنا والحصول على مبلغٍ أكبر، لكن رفضه لم يأتِ لأسبابٍ مالية كون أقصى ما قد يتقاضاه حالياً هو 5 آلاف يورو بحسب المعدل العام للرواتب في البطولة التي اختار اللعب فيها. وقد يعيد البعض سبب تفضيله الخطوة المذكورة هو الحنين للعودة إلى البلاد التي نشأ فيها، لكن السبب الكروي يختصر بعدم تسجيله خطوة إلى الوراء، إذ حتى دوري الدرجة الثالثة في ألمانيا يمكن أن يُسلّط الضوء عليه للانتقال الى نادٍ أفضل في البلاد أو خارجها، لكن إذا ما خرج من أوروبا للعب في لبنان، فإنه حتماً لن يتلقى عرضاً للذهاب في الاتجاه المعاكس.
الأمر عينه ينطبق على فيليكس ملكي الذي كان قد جسّ نبضه أحد فرق المقدّمة في الأشهر الأخيرة، لكنه في نهاية المطاف فضّل الانتقال الى فريق آيك ستوكهولم. خطوةٌ بلا شك ممتازة كون الأخير هو بطل الدوري السويدي، وخطوةُ متقدّمة للاعبٍ انتقل من فريق صاعدٍ من الدرجة الثانية الى فريقٍ يمثّل السويد أوروبياً، ما يعني أن ملكي وافق على عرضٍ مالي عادي (تتراوح معدلات الرواتب في الدوري السويدي بين الـ 60 و80 ألف يورو في الموسم قبل الضرائب)، آملاً تلقي عرضٍ من دوري أوروبي أعلى مستوى مادياً وفنياً.
أما شقيقه روبرت فكان قد اختار «الخور» القطري بعد تلقيه عقداً أفضل من ذاك الذي ربطه مع ناديه في السويد، وهو لم يفكر إطلاقاً في القدوم الى لبنان للعب مع أحد الأندية في الوقت الحالي، إذ حتى خلال وجوده مع المنتخب بدا بعيداً كل البعد عن أجواء الكرة اللبنانية التي تقلق هؤلاء المغتربين وتضع الدوري اللبناني خارج حساباتهم.
وعلى رأس هذه الأجواء هي ما لمسه اللاعبون من عدم ارتقاء اللعبة في لبنان إلى المستوى الاحترافي، إن كان على صعيد التعامل الإداري مع اللاعب أو على صعيد عدم وجود بنى تحتية لتطوير مستواه، فيقول أحدهم في هذا الإطار إنه إذا لم يكن هناك ملعب مؤمّن للمنتخب لإجراء تمارينه، فما هو الحال الذي تعيشه الاندية على هذا الصعيد؟
سؤال مهم يترافق مع قلقٍ آخر حول امتعاض بعض اللاعبين المحليين أمام نظرائهم المغتربين من تعامل بعض الأندية معهم لناحية حصولهم على مستحقاتهم المالية أو غيرها من الضمانات، إذ أن أي إصابة للاعب قد تعقّد حياته مع ناديه، وهو الذي لا يتمتع بأيّ حصانة لناحية التأمين الطبي أو غيره من الجوانب التي يمكن أن تحمل إليه التعويض.

السبب الأساسي لرفض المغتربين القدوم إلى لبنان هو الوضع العام للعبة


إذاً هي تفاصيل بسيطة تثير قلق اللاعب الذي نشأ في لبنان حتى ويسعى للهروب الى الخارج، إذ قد يرضى أحدهم بنصف العقد الذي يحصل عليه مع ناديه الحالي طمعاً باللعب في ماليزيا أو أندونيسيا أو الهند لا في أوروبا. هناك يشعر اللاعبون بقيمتهم الحقيقية، والدليل الحالة التي خلقها جمهور بيراك الماليزي تجاه مدافع شباب الساحل السابق حسين الدرّ الذي أكد في اتصالٍ مع «الأخبار» بأنه لا يفكر حالياً في العودة للعب في لبنان ولو أنه تلقى عرضاً من نادٍ كبير في الأسابيع القريبة الماضية، مشيراً إلى أن «هنا في ماليزيا تعيش فعلاً حياة اللاعب الحقيقي وتحصل على التقدير الذي تستحق بقدر ما تعطي على أرض الملعب، وهو أمر إلمسه عبر تفاعل المشجعين معي في الشارع أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وفي رغبة النادي في تمديد عقدي لمكافأتي على أدائي».
لكن هناك حالات لا تلتزم بالأسباب المذكورة أعلاه مثل وصول الثلاثي عدنان حيدر، حسن «سوني» سعد، واياد حمود الى الأنصار. لكن حتى لهذه الحالات أسبابها لقبول القدوم للعب في لبنان، فالأول كان قد فقد الأمل في اللعب على مستوى عالٍ في أوروبا بعدما تنقّل بين فرقٍ متواضعة في النروج إثر تركه للفريق الأشهر في مسيرته أي فاليرينغا. أما الثاني وبعد الإصابة القوية في الركبة التي تعرّض لها خلال احترافه مع باتايا يونايتد التايلاندي، فإنه أراد إطلاق مسيرته من جديد إثر فترة قضاها في الولايات المتحدة بعيداً من دوري المحترفين. ويبقى أن الثالث جاء إلى لبنان لأسبابٍ قيل إنها شخصية، وذلك في خطوةٍ مفاجئة كونه صُنّف كموهبةٍ صاعدة بارزة في أوروبا، وهو الذي لم يتجاوز الـ 18 من العمر، ما يعني أنه يقوم بمجازفة غير معروفة نتائجها.