تحمل كتفا جبريل الواسعتان ذراعي أحمد وتدفعانهما إلى الأمام، ترفرف قدماه خلفه في تدريب شاق يستمر لمدة ساعتين. لأن المياه مكان أو محيط مختلف تماماً عن اليابسة. كانت الخطوة الأولى، «النزول إلى المياه وكسر حاجز الخوف». رغم صعوبات التدريب ومطالبة الأهل بالتخفيف من التدريبات، كان أحمد يطالب بالمزيد. تظهر ابتسامة أحمد عثمان وهو ينزلق نحو المسبح، يقول بحماس وهو مُبتل: «أنا مبسوط بدي اتحسن»، وهذا ما تُرجم اندفاعاً من قِبل مدرّبه للوصول إلى الهدف.

يترك تدفّق الماء حول ذراعيه وساقيه شعوراً جيداً، يبدو أن السباحة تناسب أحمد لتقوية جسده أولاً، وشخصيته ثانياً. يقدّم مدرب السباحة لذوي الاحتياجات الخاصة جبريل برهم دعماً كبيراً له، ويقول: «غلبت العاطفة في معاملة أحمد أكثر منها acute therapy».
لا شيء يمكن أن يمنع هذا الفتى البالغ من العمر 15 عاماً من الغطس. رغم التأخّر في النمو، كونه يعاني من نقص الأوكسجين في الدماغ، فإن ذلك لم يمنعه من السباحة. كافحت عائلة أحمد عثمان لتجد فرصة لولدها، وتمكّنت من إيجاد مدرب لتعليم السباحة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. حقق أحمد تقدماً كبيراً، لدرجة أنه ينضم اليوم إلى 65 طفلاً من ذوي التحديات الخاصة، ممن يسبحون مع المبادرة الفردية الأولى في لبنان والشرق الأوسط Special Needs Can Swim.
لم تكن رحلة أحمد سهلة في المسبح. بدأ جسده الطويل والضعيف يتحرّك في الماء مثل قارب، لتعويض ضعف العضلات. الجزء العلوي من جسم أحمد يبدو قوياً، فهو يملك بنية صلبة وعضلات، كونه يعتمد على جزئه العلوي في التنقل. بالنسبة إلى الرجلين يقول المدرب جبريل: «كانت الحركة ومرونتهما بطيئة جداً. مشيته بطيئة وهو سهل السقوط بسبب عدم استواء بطن قدميه اليمنى واليسرى، وأصابعه غير مستوية أيضاً مثل تشكيلة القدم العادية»، كان هذا سبباً مهماً في تأخر عملية المشي والتوازن وعدم السقوط.

(مروان طحطح)

شلل دماغي
يمتلك أحمد شجاعة كبيرة. وُلد أحمد عثمان مع مشاكل في الجهاز الهضمي انتهت بالشلل الدماغي، الذي تركه يعاني من ضعف شديد في الحركة. كانت مشاكل الطفل حينها واضحة لوالدته. في أسبوعه الأول، عانى أحمد عثمان من مشكلة في قناة الجهاز الهضمي التي لم يكتمل نموها بعد، بقي بطنه مفتوحاً، ولم تأخذ مكانها الصحيح. تم استئصال الزائده، وإغلاق الجرح، ثم توقفت الأمعاء عن امتصاص الحليب. بعد 15 يوماً خضع أحمد لعملية ثانية لمعالجة الانسداد، وحصل على التغذية عن طريق الفم بالأنابيب، تقول والدته: «تضخمت الأجزاء العليا من الجهاز الهضمي ابتداءً من الحلق»، تكرّرت حالات الاختناق بسبب هذا التضخم، وتجمعت السوائل في الدماغ، ما أدى إلى شلل دماغي. و«الشلل الدماغي» هو مسمى لأي ضرر أو تلف يصيب جزءاً من أجزاء الدماغ، ونقص الأوكسجين هو جزء محدد من شلل الدماغ.
منذ الأسبوع الأول لغاية الأشهر التي تلت ولادته، تأثّر دماغ أحمد وبسبب العمليات الجراحية التي خضع لها، والنزيف الذي عانى منه، من نقص تروية الدماغ بالأوكسجين، وتجمعت السوائل ما أدى إلى موت الخلايا الدماغية، ولهذا السبب بات لدى أحمد فرق بين العمر العقلي والعمر الجسدي. هو يبلغ من العمر جسدياً 15 عاماً، بينما عمره العقلي 5 سنوات. في كل مرة يُذكّر المدرب جبريل نفسه بحالة أحمد في أول يوم تدريب، وكيف تطورت قدرته على مهارة البلع وسد المجرى التنفسي من الداخل، ويقول «أحمد قبضاي»، ويحصل على المكافآت.

تدريبات مكثّفة
من مسيرته التدريبة التي معدلها نحو سنة ونصف، استهلك أحمد عثمان في تمرين المشي نحو أربعة أشهر بداية. كان التمرين في المياه «الفايشة»، لم يكن عمق المياه يزيد عن 60 سم، بعدها استطاع أحمد الوصول إلى تقدّم جيد. يقول المدرب: «لم يعد يقع أثناء المشي في المسبح، وبدأ بالتنسيق بين حركة الرجلين واليدين، وهي حركة تبادلية، اليد عكس الرجل». قبل المباشرة في عملية السباحة عمل المدرب جبريل برهم مع أحمد على عملية التحكم بالمجاري التنفسية، من مهارة البلع إلى لفظ حركة الهمزة للتحكم بالهواء وإخراجه من الأنف أو الفم. «قوّى أحمد قلبه، بلع شوية ماي» يقول برهم، ودائماً كانت يد المدرب مرافقة لأحمد حتى تفوّق على نفسه. ويضيف، «لم يكن لدى أحمد القدرة على رفع يده فوق المياه عندما يكون جسمه بوضع تحت المياه». ومنذ نحو ثلاثة أشهر إلى اليوم كانت كل التمارين على مرونة الكتفين، «كان يرجع أحمد على البيت، ينام على الأرض ويؤدي حركات السباحة، ليقدر يرفع يده فوق مستوى الجسم بمعنى 360 درجة».
أثناء تعلم السباحة يطوّر الأطفال وعياً مكانياً أفضل ويستكشفون عمق المياه


السبّاح القدوة
وسط المياه شعر أحمد عثمان بالتميّز، خاصة أنه تعلم السباحة، وواصل اكتشاف قدرات جديدة. بات أحمد بطلاً خارقاً ملقباً بـ«القبضاي»، الجميع يرمي السلام عليه ويبادلهم سلامهم، لطيف مع الصبايا أيضا، تقول والدته. اليوم أحمد قادر على السباحة نحو ستة أمتار، يحرّك يديه فوق المياه، ومن يراه يسبح لن يصدق أنه من ذوي التحديات الخاصة، «قوة شخصية أحمد ازدادت مع السباحة».
مع مرور الوقت، أصبح أحمد داعماً لرفاقه في المسبح من ذوي التحديات الخاصة. في الأسبوع الماضي، عندما تردّد صبي يبلغ من العمر 8 سنوات عند الاقتراب من المسبح، وقف أحمد داعماً، انزل وجهه في الماء وبدأ تمارينه. يفتخر الكوتش بنفسه بالإنجاز الذي حققه أحمد عثمان، من لحظة قيامه بتمارين الذراعين، وحتى خروجه من المسبح وهو يمشي. وعن درجة تحسّن أحمد بحسب حالته يقول جبريل: «شو بدي قول عن البطل، إذا مش 200 بالمية أنا بقول 300 بالمية»، فهو اليوم يستطيع المشي، الوقوف على حافة المسبح، إدخال أصابع رجليه في المياه، التوازن لعشر ثوان وقوفاً، ومن ثم «الشك»، شكة كاملة، ليطوش على وجه المياه، ويسبح سباحة صحيحة بيده اليمنى واليسرى، بدون رفع مستوى الرأس فوق المياه. «أحمد وهؤلاء الأطفال هم القصة كلها، أنا مجرد شخص أرسله الله ليعمل مع هؤلاء الأولاد»، لدى مدرب السباحة لذوي الاحتياجات الخاصة جبريل شغف حقيقي والتزام تجاه مثل هؤلاء الأطفال.

الدعم العائلي
لا يوجد شيء أكثر سعادة بالنسبة إلى أهل يعاني طفلهم من معوقات جسدية (اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، التوحد أو شلل دماغي)، سوى النظرة التي يرسمها على وجهه وهو يفكر ويقول: «لقد فعلت ذلك». رغم كل العمليات التي أجراها الأطباء في جسد أحمد، قال لي الطبيب: «أحمد سيعيش، قلبه يريد أن يعيش». لا تنسى والدته لحظة فتح أحمد عينيه لأول مرة في عامه الأول ونظر إليها وبكى «عندما نظر لي أحمد كان يبكي»، تقول والدته، وكأنه يستنجد بها لتأخذ بيده نحو التحدي. لأحمد أخوان أكبر منه، وفي مشواره على المسبح، تساعدوا وتشاركوا، «توزعت مهام الاعتناء بأحمد» بين الأم والأب والأخوة في إيصاله إلى التدريب. تقول والدته: «هذا الحمل لا يمكن أن يُرمى على عاتق فرد من العائلة». بدوره تمنى المدرب لو أن جميع أهالي الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة يقومون بدعمهم وتطوير نطاق الحركة والثقة بالنفس.


«السباحة» أفضل طريقة لحمايتهم
وفقاً للجمعية الوطنية للتوحد، الغرق هو من بين الأسباب الرئيسية للوفاة للأطفال المصابين بالتوحد بسبب عدم فهم الخطر. في جميع المجالات، يكون الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة أكثر عرضة لخطر الغرق. تعليم الأطفال على السباحة يمكن أن يجعلهم يميّزون الفرق بين الحياة والموت إذا وجدوا أنفسهم بطريق الخطأ في الماء، بالإضافة إلى ذلك، يقول المدرب جبريل، «أثناء تعلم السباحة، يطور الأطفال أيضاً وعياً مكانياً أفضل، حيث يستخدمون النقاط المرجعية ويستكشفون عمق المياه، إلى جانب التوازن المادي الذي يتطوّر بشكل طبيعي. هذا يمكن أن يساعد في منع الطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة من السقوط في الماء في المقام الأول». أحمد هو واحد من مجموعة أطفال لديهم تحديات خاصة، وتساعدهم السباحة على التحسن نفسياً وجسدياً.