لم يأتِ إصرار النجمة على إعادة التونسي طارق جرايا إلى منصب المدير الفني من فراغ، إذ بعد العودة إلى المدرسة الأوروبية مع المدرب الصربي بوريس بونياك، ومن ثم الذهاب إلى تجربة محليّة جديدة مع ابن النادي موسى حجيج، عادت عقارب الساعة إلى الوراء. عودة إلى المدرب العربي، لا إلى جرايا تحديداً، إذ إن العودة إلى التاريخ تترك معادلة واضحة: المدربون العرب الذين مرّوا على الدوري نجحوا مع النجمة أكثر من أي نادٍ آخر.

من هنا، حُكي كثيراً عن سعي النادي «النبيذي» لاستعادة أمجاد الماضي التي خطّها المدربون المصريون تحديداً، فطفت أسماء مدربين معروفين، أمثال حسن شحاتة وشوقي غريب وطارق يحيى وإيهاب جلال. وبغضّ النظر عن صحة الأسماء التي تناولها كثيرون، فإن السعي كان واضحاً لاستقدام مدربٍ عربي. وفي وقتٍ تبدو فيه كلفة المصريين عالية مع كلام عن شروط وضعها أكثر من مدرب للقدوم مع جهازٍ فني كامل، كان جرايا الخيار الأمثل، استناداً إلى التجربة القصيرة التي عاشها مع النجمة، والتي قيّمتها الإدارة بالناجحة.
العودة إلى سبعينيات القرن الماضي تكشف ما يجري التصويب عليه، إذ إن المصري فهمي رزق كان اسماً بارزاً، وقاد «النبيذي» إلى لقب الدوري اللبناني. وبعده في العصر الحديث أطل التونسي عمر مزيان ليقود الفريق إلى اللقب عام 2002، ومثله فعل المصري عبد العزيز عبد الشافي «زيزو» في عام 2004. وقبلهما جاء المصري فاروق السيد ليحقق أمراً رآه البعض مستحيلاً، هو كسر احتكار الانصار، إذ أوقف سلسلة ألقاب الأخضر في موسم 1999-2000، حيث جلب اللقب الأول للنجمة في الدوري منذ عام 1975.
كذلك، مرّ اسمٌ كبير على نادي النجمة، هو الجزائري رشيد مخلوفي، الذي لم يفز بالدوري مع الفريق، لكنه فعل أكثر من ذلك، وحتى أكثر من حصوله على لقب الكأس مرتين في عامي 1997 و1998، إذ إن المتابعين من كثب يعرفون أنه أسّس لمرحلة جديدة في النادي من خلال عنايته بمجموعة مواهب خدمته لمدة لا تقلّ عن 10 سنوات، ليقطف ثمار العمل الكبير للمدرب المعروف.

بصمات عربية كثيرة
لم يختلف الأمر في أنديةٍ كثيرة، إذ قلّة تذكر اسم المدرب المصري جمال عبد العظيم. هذا الرجل لم يفز بأي لقبٍ في لبنان، لكنه عملياً صاحب الفضل في فوز البرج بلقبه الوحيد في مسابقة الكأس عام 1993، إذ قاده إلى المباراة النهائية قبل أن يخرج من منصبه!
الأمر عينه ينطبق على مواطنه محمود سعد، لاعب الصفاء في الثمانينيات ومدربه في فترةٍ لاحقة. هو أشرف على المنتخب الوطني، وبشهادة الكثيرين من اللاعبين الذين أحبوه أو لم يفعلوا، كان المشروع الناجح للكرة اللبنانية، لكن الظروف والقرارات وقتذاك لم تسمح له بمواصلة المشوار.

عرف النجمة نجاحات كثيرة مع المدربين العرب، وتحديداً المصريين


وفي موسم 2000-2001 بدأت حكاية نجاح العراقي أكرم سلمان في لبنان، إذ تُوّج مع التضامن صور بثنائية الدوري والكأس قبل أن يُلغى اللقب الأول. هو عاد في الألفية الجديدة، وقاد الصفاء إلى أول ألقابه في الدوري في عام 2012، ثم احتفظ بهذا اللقب.
بالحديث عن العراقيين، لا يمكن إغفال اسم عدنان حمد الذي حقق مع الأنصار نجاحاً لافتاً، أداءً ونتائج، وبقي اسمه يتردد في أروقة النادي الأخضر في كل مرة بحث فيها عن مدربٍ جديد، إذ لم يكن بإمكان الأنصاريين نسيان طريقة فوز الفريق بالدوري بقيادته عام 2006. في تلك الفترة، أضاف حمد المزيد إلى سطوة المدربين العرب، إذ قبله كان المغربي محمد الساهل حاضراً للارتقاء إلى مستوى التحدي الذي رماه أولمبيك بيروت باتجاه الجميع في الدوري، فحقق معه «الدوبليه» من خلال فريقٍ مدعوم مالياً بشكلٍ كبير ومليء بنجوم الصف الأول.
وإذ إن غالبية إنجازات العهد تحمل بصمات لبنانية، فإنه لا يمكن إسقاط دور المدرب السوري محمد قويض «أبو شاكر» الذي أدخل العهد في دائرة المنافسة على الألقاب، ورفع النادي في فترة توليه تدريبه أول ألقابه الرسمية في كأس لبنان عام 2004، ليكمل النجاحات التي بدأها في لبنان بعد قيادته شباب الساحل إلى لقبه الوحيد في تاريخه في مسابقة الكأس أيضاً عام 2000.

العرب الأقرب
أسباب نجاح المدربين العرب وتوافدهم إلى لبنان واضحة. ففي الشق الأول، يمكن الحديث عن معرفة المدربين العرب بواقع الكرة اللبنانية قبل وصولهم للإشراف على أحد فرقها، وهو أمر يعطيهم أفضلية على غيرهم من المدربين الأجانب، بحيث يتكيّفون سريعاً مع الأجواء، ويفهمون عقلية اللاعبين، ويوصلون رسائلهم إليهم بطريقةٍ سهلة بحُكم عامل اللغة المشترك. وهذه المسألة عانى منها مدربون أجانب كثر، ربما آخرهم بونياك الذي ردّد في مجالس خاصة أنه صُدم في المرة الأولى التي دخل فيها إلى ملعب النجمة، إضافةً إلى معاناته بدايةً في التواصل مع اللاعبين، حيث احتاج إلى مساعده لإيصال تعليماته وترجمة كلماته.

عاد النجمة مجدداً الى طارق جرايا (عدنان الحاج علي)

مشكلة طبعاً لم يعانِ منها مدرب الأنصار الاردني عبد الله ابو زمع الذي ربما لم يجد فوارق كثيرة بين الكرة في بلاده وتلك الموجودة هنا، فأرسى سريعاً أسلوبه بحسب ما يتناسب مع اللاعب اللبناني، وحصد بنظر البعض النجاحات، أو أقله الإشادات. الوقائع تؤكد أن المدرب العربي هو الأفضل لنادٍ مثل الأنصار، الذي جال في أوروبا وعاد ليستقطب مدرباً ناطقاً بلغة الضاد، إذ لا يمكن وصف تجاربه الأوروبية بالناجحة مع الصربي زوران بيسيتش أو التشيكي فرانتس ستراكا، أو حتى الألماني روبرت جاسبرت.
الوجهة اللبنانية تحمل أسماءً عربية كثيرة، لسببٍ بسيط، هو أنّ المدرب الأوروبي صاحب المستوى العالي يذهب إلى بلدان الخليج حيث المال الوافر إذا ما أراد التوجّه نحو العالم العربي، وبالتالي تبدو كلفة المدرب العربي أفضل بالنسبة إلى الأندية اللبنانية التي تفضّل استقدامه بدلاً من التعاقد مع مدربٍ أوروبي أو أميركي جنوبي دون المستوى المطلوب.
إذاً، مع أبو زمع، جرايا ومواطنه أنيس بوجلبان (السلام زغرتا) والعراقي عبد الوهاب أبو الهيل (الإخاء الأهلي عاليه) والفلسطيني إسماعيل قرطام (طرابلس)، يبدو الحضور قوياً للمدربين العرب في الدوري للموسم المقبل، ما يرفع التحدي بالنسبة إلى كل المدربين الآخرين، وتحديداً المحليين الذين كانوا الأكثر نجاحاً عبر التاريخ في مواجهتهم.