كثيرة هي المواهب اللبنانية التي هجرت ملاعب كرة السلة الأميركيّة في الأعوام الأخيرة، لكن الكلام عن لبنان لا يزال حاضراً هناك من خلال تألق سيرجيو الدرويش الذي يلعب في دوري الجامعات ويواصل التطوّر، الأمر الذي يبعث إلى التفاؤل بإمكانية الاستفادة من خدماته مستقبلاً مع المنتخب الوطني، خصوصاً أن المنتخب اللبناني بات قريباً من مونديال كرة السلّة في الصين العام الجاري.

لم تكن بدايات سيرجيو الدرويش سهلة في عالم كرة السلة على رغم موهبته التي ظهرت منذ سنٍّ صغيرة، عندما كان وشقيقه سامي يتعاملان مع أي شيء في متناول أيديهما وكأنه كرة. بارقة أمل أطلت بالصدفة، وذلك بعدما لفت الدرويش أنظار النجم إسماعيل أحمد الذي نقله بسرعةٍ إلى النادي الرياضي لممارسة هوايته المفضلة وتطويرها. هناك وجد كثيرون في اللاعب الصغير موهبةً مميزة، وامتد الاهتمام به إلى خارج المنارة، فكان أن تمّ استدعاؤه للعب مع منتخب لبنان للناشئين في عام 2013. لكن الحظ العاثر وقف مرة جديدة في وجهه، وذلك بسبب قرار الاتحاد الدولي للعبة إيقاف الاتحاد اللبناني وإبعاده عن المشاركة في أي بطولة خارجية. هنا لم يكن أمام الدرويش وغيره من أبناء جيله سوى التدرب من دون خوض أي مباراة، وهي مسألة بلا شك لم تكن لتساعده على التطور والارتقاء بمستواه الفني. مسألة أدركها والده الذي عمل لنقله إلى الولايات المتحدة حيث يبرز اسمه اليوم في دوري الجامعات (NCAA).
لكن على رغم الفترة الطيّبة التي يعيشها حالياً، مرّ الدرويش (22 عاماً) في ظروفٍ صعبة كثيرة، منها عند وصوله وحيداً من دون أهله أو أصدقاء إلى بلادٍ بالكاد يتكلم لغة أهلها. وطبعاً بعد تعرضه لإصابة قوية في الوجه إثر التحاقه بـ«ساوث داكوتا ستايت»، ما أبعده لنحو الشهرين عن الملاعب حيث فكّر جديّاً بالرحيل والعودة إلى لبنان.

على رغم بروزه في دوري الجامعات الأميركي لم يتلقَّ الدرويش أي اتصالٍ رسمي للعب مع المنتخب


فترة صعبة بلا شك، لكن إيمانه بتخطّيها داخل وخارج أرض الملعب جعل مكافأته كبيرة هذا الموسم، حيث كان خلال الشهرين الأخيرين أفضل لاعبي فريق جامعة «ماين» مسجّلاً ما معدله 15.3 نقطة في المباراة الواحدة، ومنصّباً نفسه نجماً بعيداً من خسارة أو فوز فريقه الذي سجل له رقماً مزدوجاً (دابل فيغرز) في 8 من مبارياته الـ9 الأخيرة، فكان اسمه في العناوين وتحديداً بعد تسجيله 26 نقطة في المباراة التي فاز فيها فريقه على جامعة «ألباني»، وعندما سجل نفس الرصيد على رغم خسارة «الدببة السود» (لقب ماين) أمام جامعة «سنترال كونيكتيكت ستايت» بفارق 3 نقاط، حيث لعب دوراً كبيراً في فرض التمديد مرتين.

لاعب لا غنى عنه

في تشكيلة «ماين» أصبح الدرويش لاعباً لا غنى عنه، وهو لسان حال مدربه ريتشارد بارون، الذي وصفه بكلمات صائبة يوم انتقاله إلى فريقه، إذ قال وقتذاك، «سيرجيو لاعب كبير، فهو يجمع خصالاً مختلفة، بحيث يساعد زملاءه ويسدد من كل المسافات وبإمكانه الوصول إلى السلة بطرقٍ مختلفة. سيترك تأثيراً إيجابياً سريعاً على فريقنا». وبالفعل تُرجم كلام بارون على أرض الواقع، إذ قال أخيراً في تصريحٍ لموقع «BDN» الأميركي الذي نشر تقريراً عن اللاعب: «لا أعرف ما يمكنني القول لأعطيه حقه. لقد تعاقدنا معه لأننا عرفنا بأنه موهبة مميزة».
هذه المرة لم تكن الأجواء غريبة على الدرويش الذي بات يعرف بحسب مدربه كيفية التعامل مع كل الظروف التي تواجهه على أرض الملعب «إذ مع نضوجه الكبير بات يختار اللحظة والوضعية المناسبتين للتصويب، كما يعلم متى يفترض عليه استخدام قوته البدنية في التعامل مع منافسيه». والحديث عن الأجواء يعني هنا انسجامه مع زملائه، إذ إن الكثيرين منهم سبق أن لعبوا معه في «لي أكاديمي» لدى وصوله إلى الولايات المتحدة، أمثال الصربيين إيليا ستوييليكوفيتش ونيديلكو برييوفيتش وميكس أنتومس ولويس وانغ، إضافةً إلى مدربه السابق هناك والذي يشغل منصب المدرب المساعد في «ماين» حالياً وهو إيغور فيرزينا الذي لعب تحت قيادته لمدة عامين ونصف. ويصف فيرزينا لقاءه الأول بالدرويش قائلاً، «لقد رأيت ولداً موهوباً.
كان أصغر من الأولاد الآخرين، لكن في المرة الأولى التي دخل فيها إلى أرض الملعب قلت لنفسي بأنه أصبح لدينا من يمكنه إتمام العمل بالشكل الذي نريد».

لبنان في القلب والعقل
وعلى رغم التركيز على مسيرة مميزة في الملاعب الأميركية، لا يسقط الكلام عن البدايات وعن لبنان من كلام ابن منطقة الدكوانة الذي كشف لـ«الأخبار» أنه يتابع مباريات بطولة لبنان عبر «الإنترنت» في كل مرة تسنح له الفرصة. هو ردّد في أكثر من مقابلة صحافية بأنه يطمح لتمثيل منتخب لبنان، لكن بحسب المعلومات فإنه لم يتلقَّ أي اتصالٍ من أي طرفٍ رسمي للدفاع عن ألوان المنتخب الذي يصفه بالمنتخب الممتاز «ولدينا فرصة كبيرة للتأهل إلى كأس العالم، وهو ما يمكننا فعله عبر الفوز في المباراتين المتبقيتين لنا في التصفيات». ويسهب الدرويش في الحديث عن المنتخب ما يعكس فعلاً متابعته لكل التفاصيل التي تخصّ كرة السلة اللبنانية، فيبدو صريحاً بقوله، «أنا لا أحبّذ فعلاً تجنيس اللاعبين، لكن علينا أن نكون واقعيين، إذ نفتقر إلى اللاعبين الذين يتمتعون بالطول المطلوب، ووجود أي لاعب مثل آتر ماجوك يعطي المنتخب فرصاً أكبر للفوز في كل مباراة، لذا نحتاج إليه كثيراً». ويضيف، «علينا أن لا ننسى أن هناك مواهب من أصول لبنانية حول العالم وعلينا البحث عنها».
وإذ كان للدرويش مرور سريع مع نادي هوبس، وأكثر من مشاركة في بطولة الدرجة الثانية خلال قضائه لإجازته في لبنان حيث فضّل أن يبقي على لياقته البدنية، فهو اليوم لا يتطلع أبداً إلى تكرار هذه الخطوة بل يصب كل تركيزه على التقدّم في الملاعب الأميركية التي برأيه يفترض أن تكون وجهة اللاعبين اللبنانيين صغار السن «فهناك الكثير من اللاعبين الشبان في لبنان الذين بإمكانهم الارتقاء إلى مستوى التحدي هنا، ولا أرى مانعاً لنجاحهم».