هل ينطفئ النجمة؟ هل تخفت منارة ملعبه؟ أسئلة مجرد طرحها يُقلِق الكثيرين. عندما نقول «نجمة»، فالاسم يترك أثراً على مقاس الكلمة. «النجمة» نجمة نجوم الفرق اللبنانية، ومحط تطلعات جماهيره العريضة. أخيراً، كبرت كرةُ النارٍ في ملعب النجمة. الخلافات الإدارية باتت تهدد استقرار النادي. اللاعبون في الدوامة. الجماهير «تحج» إلى منزل حسن معتوق لتتأكد من صحة ما يُشاع عن رحيله. يتخوّف «محبوب الجماهير» من المستقبل، «بعض الأمور سيئة، وأرى أنها ستصبح اسوأ»، يقول معتوق. بعض اللاعبين لا يتقاضون رواتبهم، الأمر لم يعد سرّاً، والإدارة عاجزة. الجمهور غاضب. محمد جعفر عاد إلى النجمة، ومعه ستُفتح ربما حقبة جمال الحاج، المسؤول عن خروج اللاعب من النجمة إلى الصفاء، خاصة أن علي نجل جمال، وصديق العائلة حسن معتوق، موجودان داخل أسوار المنارة. الإدارة «تتناتش» حصص النفوذ في المكاتب، لكن الجمهور ينظر إلى نجمته في السماء. المنارة خافتة، وفوقها «النجمة»، فهل تهوي؟

لم تصل الأمور في نادي النجمة سابقاً إلى ما وصلت إليه اليوم على الصعيد الإداري. خلافات عميقة. تسجيلات صوتية تتضمن اتهامات متبادلة لا تخلو من «نعرات» طائفية. شيكات مرتجعة وأخرى بلا رصيد. عقد مطعونٌ بصحته. انقسام جماهيريٌ. رفع دعاوى على النادي. مواقع التواصل الاجتماعي اشتعلت. سلسلة طويلة من الأحداث لطالما كانت غريبة عن النجمة حتى الأمس القريب. لكن الأخطر أن هذه الخلافات انتقلت من المكتب إلى الملعب. نحن في لبنان، وهذه أشياء تحدث. ولا يخلو نادٍ كروي في لبنان من مشاكل. أمرٌ اعتيادي في معظم الأندية ومنها نادي النجمة. لكن معظم تلك المشاكل تبقى طي الكتمان أو يتم حلّها سريعاً بين أبناء البيت الواحد. في النجمة تحوّل هؤلاء الأبناء إلى «الأخوة الأعداء». أبناء يتناحرون، يتصارعون، يحاولون إلغاء الآخر، يسعون إلى شطب تاريخ بعضهم البعض. الأمور وصلت إلى الذروة بعد مغادرة جمال الحاج. يُقال إنه استقال، ويُقال إنه أرغم على الاستقالة. المعركة اشتعلت.

في 28 آب الماضي قدّم سعد عيتاني استقالته من النادي بشكل نهائي


في السنة الأخيرة تفاقمت الأزمة. في آب 2017 تم انتخاب لجنة إدارية جديدة برئاسة أسعد صقال مع بقاء سعد الدين عيتاني أميناً للسر وصلاح عسيران نائباً للرئيس. خمسة وجوه جديدة دخلت مع صقال مصحوبة بآمال الجمهور النجماوي الكبير بالانتقال بالنادي إلى مكان أفضل مما كان عليه. بدأ الحديث عن تحويل النادي إلى مؤسسة (مع اعتبار الرئيس صقال أنه كان «دكانة» كما قال مرة)، لتصل الأمور بعد سنة كاملة إلى تحوّل النادي إلى «شركة تدار بعقلية إدارة الشركات الخاصة»، كما يقول أحد المسؤولين النجماويين الكبار. لا يكاد يمرّ يومٌ دون أن يكون هناك خبر أو «خبرية» أو تسريبة عن مشكلة في النادي. «آخر العنقود» توقيع عقد مع لاعب الفريق السابق محمد جعفر للعب كسنة واحدة مع الفريق على سبيل الإعارة آتياً من الصفاء. توقيع أشبه بـ«إعلان حرب» من الرئيس أسعد صقال على الثنائي القوي في النادي، عيتاني ــ عسيران. لطالما كان الثنائي ضد عودة جعفر إلى النجمة لأسباب يقولان إنها «مسلكية». ووصلت الأمور إلى حد تمنّع عيتاني عن حضور جلسة إدارية يُتخذ فيها قرار عودة جعفر إلى النجمة. فمباراة النجمة والعهد قبل ثلاثة مواسم على ملعب برج حمود والتي خسر فيها النجمة 1 - 3 ليفقد حظوظه بإحراز اللقب ما زالت حاضرة في أذهان بعض إداريي النجمة الذين رسموا علامات استفهام حول أداء جعفر. حينها حُكي عن استدانة جعفر لمبلغ مالي من أحد إداريي العهد، ليتم تأكيد الموضوع لاحقاً. المهم أن عودة جعفر يمكن تصنيفها كلغمٍ جديد في النادي قد تكون له تداعيات كبيرة. في 28 آب الماضي قدّم سعد عيتاني استقالته من النادي بشكل نهائي. يقول المقربون منه إن الأمور لم تعد تحتمل، وهي جاءت بعد عدة رسائل وجهها عتياني تؤكّد نية الاستقالة. من الطبيعي أن يرفضها صقال ولا يقبل بها عسيران، فتمنى الأخير على عيتاني أن ينتظر حتى ما بعد مباراة كأس السوبر مع العهد. لكن لماذا وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه؟
مسار طويل بعضه أصبح الكلام عنه ممجوجاً، خاصةً على صعيد عدم الالتزام المادي، وقد أوصل الأمور إلى مرحلة رفع مكاتب سفر لدعاوى قضائية على النادي لتحصيل حقوقه. في موازاة ذلك، يشكو إداريون من الرئيس. يقولون إنه غارق في «السوشال ميديا» والإعلام. يتهمونه بمحاولة التفرّد بالقرار وإلغاء الأطراف الأخرى. لكن الأمور ما لبثت أن تطورت إلى تسريبات صوتية للرئيس صقال بحق عسيران تتضمن عبارات طائفية، مصحوبة بحديث بلهجة التهديد، عن شح مالي، أوصل الأمور إلى حافة الانفجار.
الملاحظات على أداء صقال طويلة من الإداريين المعارضين له. يقولون إنهم يعرفون المقررات الإدارية في المقاهي قبل إقرارها في اللجنة الادارية، إلى استعادة مجموعات جرى استبعادها لتأثيرها السلبي على النادي، مروراً بإهمال للفئات العمرية وعدم حصول المدربين على حقوقهم رغم المطالبات والتقارير العديدة التي يرسلها عضو اللجنة الإدارية أسعد سبليني. الأسوأ برأي هؤلاء هو اعتبار بعض اللاعبين والجمهور أن شعار وعود الرئيس هي «عالوعد يا كمّون». «البونس» الذي وُعِد فيه اللاعبين قبل المشاركة في الدور التمهيدي لكأس الأندية العربية ما زال حبراً على ورق. أضيف إليه «بونس» التعادل مع الأهلي المصري في الدور 32. وعلى صعيد الجمهور يذكّر البعض صقال بوعود استقدام لاعبين. هناك فرق كبير من دفع الأموال لشراء لاعبين، وبين وبيع لاعبين من النادي وشراء آخرين بدلاً منهم. في الموسم الماضي تم بيع خالد تكه جي والحارس ربيع الكاخي وجاء حسن معتوق بدلاً منهم. هذا الموسم غابت التعاقدات القيّمة. لم يتعاقد النجمة مع لاعبين قادرين على تشكيل قوة إضافية للفريق. نظرة إلى مقعد احتياط النجمة تؤكّد ذلك. الحديث يدور حالياً حول أبو بكر المل وعمر زين الدين، لكن من أين الأموال للتعاقد معهم؟
الأخطر حصل يوم الأحد حين انتقلت هذه المشاكل من المكاتب إلى الفريق على أرض الملعب. من شاهد مباراة النجمة مع العهد والصورة التي ظهر عليها النجماويون من أداء سيئ وغياب الحافز والمعنويات الهابطة يعلم أن مشاكل النجمة لم تعد محصورة بالمكاتب بل انتقلت إلى اللاعبين. فالكأس المرّة التي حاول المسؤولون كثيراً إبعادها عن اللاعبين وصلت إليهم، وتذوقوا وأذاقوا مرارتها للجمهور الذي حضر إلى ملعب المدينة الرياضية وشاهد فريقه يسقط أمام الغريم العهداوي. يلخّص أحد النجماويين المخلصين وضع النجمة بعد لقاء العهد على النحو الآتي: «وصلت السوسة للفريق، وحتى لو اجتمعت الإدارة وقبّلوا بعضهم بعضاً لن يستعيد الفريق عافيته. عادت «البُوَط» إلى النادي. لاعبون مع صقال ولاعبون ضده. علي حمام ونادر مطر وغيرهما مع الرئيس، وفريق يوالي جمال الحاج، قوامه معتوق وآخرون، مع نائب الرئيس. وعلينا أن ننظر إلى آلية التعاطي مع موضوع المدرب طارق جرّايا، وكيف تعامل اللاعب نادر مطر معه. هل ما حصل بريء؟» يقول النجماوي القديم لـ«الأخبار»، علماً أن الحديث في أروقة النادي وصل إلى كثيرين، عن مساعٍ قام بها رئيس النادي، واتصالات أجراها مع اتحاديين، لرفض العفو عن جرايا، بينما كان فريق آخر في إدارة النجمة يسعى لتأمين عفو اتحادي عنه، لكي يتسلم تدريب الفريق.

أكرم مغربي يقول إن النجمة زوّر توقيعه وعواضة اكتشف أن الشيك الذي قبضه مرتجع


أكثر من حادثة حصلت في الشهر الماضي أشارت إلى استفحال الأزمة الإدارية في النادي. لم يحدث في تاريخ النجمة أنه حُكي عن شيكات بلا رصيد. أحمد جلول وعلي الحاج اختبرا هذا الموضوع حين أبلغهم المصرف أن «الشيكين» اللذين يحملاهما بلا رصيد. سريعاً عالج المسؤولون في النادي الموضوع للملمته عبر «الكاش»، لكن في زمن «السوشال ميديا» من الصعب لفلفة أي موضوع. أمين سر نادي الإصلاح البرج الشمالي حسين عواضة أيضاً كانت له تجربة مصرفية من نوع آخر. «شيك» مرتجع من المصرف حصل عليه «أبو مهدي» مقابل بيع لاعب الفريق محمود كعور إلى النجمة. سبب الارتجاع وجود توقيع واحد هو لأمين الصندوق سامي الوزان من دون وجود توقيع الرئيس أسعد صقال الإلزامي لصرف «الشيك». كيف يمكن لشخص تقديم «شيك» يحتاج إلى توقيعه دون أن يوقّعه؟ محاولة جديدة لمراضاة عواضة وإسكاته وتأكيد على دفع المبلغ سريعاً. أيام تمرّ على الموضوع لتظهر قصة أخرى. أكرم مغربي يصرّح: «النجمة زوّروا توقيعي»!
قصة لاعب النجمة «السابق» تتضمن العديد من التناقضات. في آب الماضي انتهى عقد مغربي مع النجمة. الأخير أعلن أنه لاعب حرّ، ليفاجأ بكلام عن وجود عقد آخر. بالنسبة إلى الاتحاد اللبناني لكرة القدم العقد بين النجمة ومغربي والمسجّل لدى الاتحاد منتهي الصلاحية. في موازاة ذلك، جرى اتصال من رئيس النادي أسعد صقال بالاتحاد أكد فيه وجود عقد آخر يمتد حتى عام 2021 وسيتم إرساله لتسجيله. ساعات وتصل إلى الاتحاد صورة عقد ملوّنة مع توقيع لمغربي بالأبيض والأسود. أمرٌ يعتبر غير قانوني حيث لا يتم اعتماد صورة عقد لتسجيله بل يجب تقديم العقد الأصلي وبعد مراجعة صقال يكون الجواب: العقد ضائع. يؤكّد أحد المسؤولين في النادي عدم وجود تزوير فالعقد موجود وسيتم العثور عليه، وهناك تسجيل صوتي لوالد مغربي يؤكّد وجود عقد بين نجله ونادي النجمة. أين العقد؟
وصلت الأمور إلى نقطة اللاعودة. عدة مؤشرات لدى «الحرس القديم» تؤكّد أن صقال يحاول السيطرة على النادي. يتهمونه باستغلال لاعبين لتمرير أهداف معينة كما حصل مع اللاعب مطر والمدرب جرايا، عندما «تمرد» مطر على المدرب، الذي لم يتسن له تسلّم مهامه رسمياً، لأسباب ذكرت سلفاً. كذلك، يتهمونه بتعيين أشخاص في الجهاز الفني كـ«عيون» له تحت صفات إدارية (يسأل أحد النجماويين كيف يتحوّل مصوّر إلى معالج فيزيائي). تشكيل اللجنة الفنية ورغم أهميته رافقه همس عن نية لاستبدال مدير الفريق بهيج قبيسي بعضو اللجنة ولاعب النجمة السابق مازن خالد المقرب من صقال. تسجيلٌ صوتي مسرّب من خالد وجهه إلى بعض الجمهور لدى تعيينه في اللجنة الفنية يتضمن كلاماً جميلاً عن ضرورة عودة أبناء النادي ومساعدته لتحقيق الألقاب. لكن اللافت ما جاء في نهاية التسجيل الصوتي: «إن شاء الله موسى حجيج راجع».
اسم حجيج لطالما كان مستفزاً للطرف المناوئ لصقال، الذي سعى طويلاً للتعقاد معه كمدرب. وهذا لا علاقة له بكفاءة موسى حجيج، المشهود له بالكفاءة وحب النادي، وحب الجماهير له. لكنه أيضاً يوضع في «البازار». الكلام عن اقتراب عودته، مصحوباً بالتعاقد مع محمد جعفر بعكس رغبة بعض أعضاء الإدارة دق ناقوس الخطر لدى عيتاني وعسيران. القصة أصبحت أكبر من خلافات وبالتالي ما لم يحصل سابقاً يجب أن يحصل حالياً. والطامة الكبرى أن مثل هذه الخلافات في لبنان، لا تُحلّ إلا بتدخلات سياسية «من فوق»، كما حدث في الأنصار، عندما تدخل الرئيس سعد الحريري شخصياً، لفض النزاع بين نبيل بدر الرئيس الحالي، والاسم العريق في أروقة النادي، سليم دياب. في النجمة، وعلى مدى سنوات لم يكن هناك تدخّل من قبل آل الحريري بالعمل الإداري للنجمة على نحوٍ مباشر، كما يقال. لكن في ظل استقواء صقال بالمرجعية الحريرية والتأكيد على دعمهم له، وفي مقابل «انشغالات» الحريري، يبدو الأمر هلامياً. فإما «المرجعية الحريرية» راضية بأداء صقال، وحينها سيحسم عيتاني وعسيران قرارهما بالرحيل، أو هي غير موافقة، وهي مطالبة بتوضيحات من قبل الإداريين الذين اعتادوا على هذه الطريقة. أما الجماهير، فلهم الله.