في عام 2017 خرج المنتخب الجزائري من الباب الضيق لبطولة أمم أفريقيا، رغم كونه المرشح الأبرز لرفع الكأس الذهبية حينها. خروج من الدور الأول بعد تعادلين وخسارة، دفع بالجميع الى «السخرية» من اللاعبين، ومن الإعلان الترويجي للمنتخب. ولكن بعد عامين من المشاركة المخيّبة، تمكن منتخب الجزائر من الوصول إلى نهائي البطولة للمرة الأولى منذ 29 عاماً. في هذا الوقت، حاول الإعلام الفرنسي استفزاز الجزائريين، وربط تألق منتخبهم بالمدرسة الكروية الفرنسية. ولكن أيّ متابع يمكنه رؤية عكس ذلك، وأن فرنسا هي التي استفادت من الجزائريين ومختلف دول أفريقيا وليس العكس.

مرة جديدة استغل الإعلام الفرنسي المناسبة، لإظهار كامل عنصريته تجاه أفريقيا عامة، والجزائر خاصة. صحيفة «لوباريزيان» عنونت قبل المباراة النهائية لبطولة أفريقيا «نهائي كأس أمم أفريقيا: الجزائر من صنع فرنسي». تضمن التقرير كلاماً عن دور المدرسة الفرنسية في تشكيل النواة الأساسية للمنتخب الجزائري، وعن لاعبين ولدوا وتعلموا أصول كرة القدم في الأندية الفرنسية. كذلك أشارت الصحيفة إلى دور المدير الفني جمال بلماضي المولود في فرنسا، في التطور الذي يشهده منتخب الجزائر اليوم. الادعاءات «الفضفاضة» التي تحدث عنها الإعلام الفرنسي، وإن أضاءت على بعض تفاصيل، إلا أنها فتحت الباب واسعاً للحديث عن إنجازات منتخب فرنسا، وحتى الأندية الفرنسية التي لم تكن لتتحقق لولا جهود المهاجرين، تحديداً الجزائريين منهم.
يوم عاشت فرنسا مجدها الكروي الأول إثر تتويجها ببطولة كأس العالم 1998، كان الفضل لزين الدين زيدان، أفضل لاعب في تاريخ الكرة الفرنسية. زيدان هو اللاعب الفرنسي الأبرز من أصول جزائرية، غير أنه ليس الوحيد، إذ تطول القائمة لتشمل كريم بنزيما، نبيل فقير، سمير نصري وغيرهم. الفائدة كانت متبادلة بين الطرفين الجزائري-الفرنسي، وبدرجة أكبر للفرنسيين، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ تشكيلة الجزائر المتوّجة أخيراً ببطولة الأمم الأفريقية ضمت العديد من اللاعبين الجزائريي الأصل والتكوين، يلعبون في الدوريات المحلية، أبرزهم يوسف بلايلي، وبغداد بونجاح، وجمال بن العمري، إضافةً إلى المدرب الجزائري جمال بلماضي، وهنا يكمن الفرق.

حاول الإعلام الفرنسي التأثير على صورة منتخب الجزائر ونسي نفسه


المنتخب الجزائري كان عبارة عن مزيج من اللاعبين المحليين والمحترفين، يحملون الدماء الجزائرية الخالصة. أما تأسيس بعضهم في الدوريات الفرنسية، فهذا يندرج تحت إطار الاحتراف، وهو المنطلق الذي تعتمده أبرز منتخبات العالم لإعطاء لاعبيها ثقافات كروية جديدة.
تقريرٌ مستفز اعتبره الجزائريون امتداداً للحملة التي يشنها اليمين المتطرف في فرنسا ضد الجزائر ومنتخبها الكروي، والتي زادت حدّتها بعد دخول أحد النواب الفرنسيين في جدال حاد مع نجم المنتخب رياض محرز، على هامش مباراة الجزائر ونيجيريا في نصف النهائي، حيث تمنى النائب علناً خسارة الجزائر تجنّباً لاحتفال جماهيرها في فرنسا.

منتخب التحرير
في حقيقة الأمر، فإنّ المناوشات الرياضية بين الطرفين الجزائري-الفرنسي ما هي إلّا امتداد للصراع القديم. فرنسا احتلت الجزائر لفترة طويلة، ولكن أبناء البلد العربي ـ الأفريقي قاوموا ذلك، وقدموا أكثر من مليون شهيد في ثورة التحرير.
عام 1956، رأى ثوار الجزائر أن المقاومة يمكن أن تمتد لتشمل الميادين الرياضية، فتم العمل على نشر القضية عبر كرة القدم، وتم تأسيس منتخب الجزائر (عرف بمنتخب التحرير). ارتبط هذا الأخير ارتباطاً وثيقاً بتحرير البلاد، إذ إنه ولد من رحم الثورة، وكان عنصراً أساسياً في استقلال الجزائر عن فرنسا. عُرف المنتخب حينها بمنتخب التحرير. بعدها، بدأت المقاومة بإرسال ضرباتها إلى فرنسا عبر كرة القدم، تحديداً عام 1958، العام الأسود في كرة القدم الفرنسية. حينها، كان المنتخب الفرنسي من أبرز المرشحين للفوز بكأس العالم المقام في السويد، إذ كان يضم لاعبين بارزين مثل ريمون كوبا وجاست لويس فونتين. حينها، استدعى المدرب بول نيكولا إلى تشكيلة المنتخب الفرنسي أربعة لاعبين من أصول جزائرية هم، نجم فريق سانت إيتيان رشيد مخلوفي، ومدافع فريق موناكو مصطفى زيتوني، فضلاً عن مهاجم موناكو عبد العزيز بن تيفوز، ومحمد معوش، مهاجم فريق ريمس. قبل شهرين من موعد السفر إلى السويد، اختفى اللاعبون الجزائريون الأربعة، ومعهم 30 لاعباً آخرين ينشطون في الدوري الفرنسي الأول. خرجوا على دفعات من المدن الفرنسية عبر حدود الدول المجاورة، ليجتمعوا في تونس من أجل النضال وتلبية نداء الثورة، بعد أن وقع الاختيار عليهم لتمثيل منتخب التحرير. تأثر المنتخب الفرنسي بهذه الغيابات، فخسر مباراة نصف النهائي أمام البرازيل بخمسة أهداف مقابل هدفين.


بعد تفضيلهم اللعب لبلدهم الأم. اهتزّ الإعلام الفرنسي، ولعل ما كتبته صحيفة «ليكيب» الفرنسية حينها يختصر كل شيء: «الرياضة أداة رائعة للتقريب بين الأفراد، إنهم يتعلمون في الملاعب كيف يتعرفون ويتفاهمون بأفضل صورة، لكن من العبث أن نعتقد بأنهم من الممكن أن يكونوا في مأمن من تأثير التيارات السياسية أو الاقتصادية الكبرى المولدة للنزاعات العالمية الحالية. لا شيء يمكن فعلاً أن يؤثر في الأذهان بقدر الانسحاب المفاجئ لزيتوني ورفاقه». هكذا، تحولت قضية «استقلال الجزائر» من قضية محلية إلى قضية عالمية.

فرنسا تشكو الجزائر
لم تتغاضَ فرنسا عن الأضرار التي سبّبتها لها المقاومة الجزائرية بعد دعوتها للاعبين الجزائريين، إذ تقدم الاتحاد الفرنسي بشكوى إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم، مفادها عدم الاعتراف بمنتخب التحرير كممثل للجزائر ومنعه من اللعب في أي مناسبة دولية، وهو ما وافقت عليه الـ«فيفا». رغم تهديدات الاتحاد الدولي لكرة القدم بمعاقبة أي دولة تستقبل الفريق، لعب منتخب الجزائر أكثر من 80 مباراة في مختلف الدول، على غرار دول أوروبا الشرقية، والاتحاد السوفياتي، كما بلغاريا، ورومانيا، والمجر وتشيكوسلوفاكيا، إضافةً إلى بعض الدول الآسيوية مثل الصين وفيتنام، وطبعاً العديد من الدول العربية كليبيا، والأردن، وتونس والمغرب وغيرها.
باتت العنصرية الفرنسية تظهر بشكل واضح عبر وسائل الإعلام هناك


لم تكن ممارسة كرة القدم كلعبةٍ رياضية الهدف من رحلات منتخب التحرير، بل إنّ الهدف الرئيسي تمثّل في نشر فكرة جوهرية مفادها وجود بلد يدعى الجزائر، يمتلك قضية ضد المحتل الفرنسي. بحسب بعض القادة الجزائريين حينها، فإنّ المنتخب الجزائري قد أكسب الثورة الجزائرية ما يساوي عشر سنوات من العمل. هكذا نشأ منتخب الجزائر، وحصل على صفته الرسمية بعد الاستقلال عام 1962، ومن هنا، تتضح أكثر العلاقة التي تربط الجزائريين بمنتخب بلادهم، والتي جسدها معلق قنوات «بي ان سبورتس» الرياضية حفيظ الدراجي، أثناء تعليقه على مباريات منتخب بلاده، بأجمل صورة ممكنة.
«جاء الوقت الذي نفكر فيه ونذكر العالم بمن نكون. كما كتبنا التاريخ من قبل، سنعود ونكتبه اليوم، ونكون الرقم 1». هكذا، اختُتمت الدعاية الترويجية لمنتخب الجزائر عام 2017. تأخّرت الوعود سنتين، غير أنها جاءت في النهاية، بعد أن توّج منتخب الجزائر ببطولة أمم أفريقيا 2019. شكلت هذه الأخيرة البطولة الأفريقية الأولى للجزائر منذ جيل رابح ماجر، وجمال مناد، وطاهلا شريف الوزاني، ومحمد رحيم، وعنتر عصماني وغيرهم... الروح الجماعية التي أظهرها الجزائريون مع كل هدف وكل تأهل، من سجودٍ وفرحٍ ودموع، حرّرت اللاعبين من أي تشكيك في حبهم لوطنهم، أو أيّ ادعاءات بأنهم يمكن أن لا يقدموا كل ما يملكون من امكانات من أجل المنتخب. ما قدمه اللاعبون الجزائريون على أرض مصر يؤكد أنهم تفوّقوا على أنفسهم، وقدموا كل شيء من أجل المنتخب، حتى إن الروح التي لعبوا بها، لا يقدمونها مع أنديتهم، وهذا ما يثبت أن قميص المنتخب هو من أعطى كل هذا الدفع؛ فالمنتخب هو من صنع جزائري، وما يعطى لمنتخب الوطن لا يعطى لغيره.



خوف فرنسي من المستقبل


يشكل المهاجرون اليوم العمود الفقري لمنتخب فرنسا لكرة القدم. خلال نهائيات كأس العالم الأخيرة التي لُعبت على الأراضي الروسية وتوج بها المنتخب الفرنسي، بدا واضحاً خلالها أن «منتخب الديكة» لا يضم سوى عدد صغير من اللاعبين أصحاب الأصول الفرنسية الخالصة. اعتمد «الديكة» على نغولو كانتيه، بول بوغبا، عادل رامي، كيليان مبابيه وغيرهم الكثير للفوز بكأس العالم، والقيّمون على المنتخب يحاولون حالياً البحث عن لاعبين آخرين من أصول إفريقية لضمهم إلى منتخبات الفئات العمرية، وفي النهاية يكونون مع المنتخب الأول. هذه الخطة تبدو واضحة، والعين باتت على اللاعبين الجزائريين الصغار السن، لما يقدمونه من مستوى مميّز.