لم تنهمر دموع المهاجم الجزائري بغداد بونجاح من فراغ، فهو ورفاقه قاتلوا حتى الرمق الأخير. تأهّل «محاربو الصحراء» إلى نصف نهائي أمم إفريقيا. فوز شاق ومتعب للجزائريين ولغير الجزائريين الذين ساندوا المنتخب العربي أمام أحد أبرز المرشحين للفوز باللقب، منتخب ساحل العاج. فرض الجزائريون طريقة لعبهم أمام «فيلة» الـ«كوت ديفوار»، وسيطرتهم كانت واضحة خلال دقائق المباراة. تعادل إيجابي في الوقت الأصلي والشوطين الإضافيين، نقل المعركة إلى ركلات الترجيح، التي نجح حارس المرمى رايس مبولحي في التصدي لواحدة منها، كانت كافية لتأهل الـ«خضر» إلى الدور المقبل.

طوال فترات اللقاء، كان المشجعون على المدرجات يغنون لمنتخب بلادهم، حتى كادت حناجرهم تتكسر، «allez les vert». الجمهور انتصر كما اللاعبون، والفائز الأكبر هو الجزائر. لاعبون يقاتلون من أجل قميص المنتخب. دموع بونجاح ويوسف عطال انهمرت في مكانها، فالفوز كان حليف المنتخب. هنا يمكن الحديث عن الانتماء والولاء للوطن، وهذا ما تميّز به الجزائريون عن غيرهم من المنتخبات العربية، أو على الأقل، عن جيرانهم في شمال إفريقيا، وتحديداً مصر والمغرب في النسخة الحالية من البطولة. كان الرهان كبيراً على كل من مصر والمغرب، لكنّ اللاعبين المحترفين لم يكونوا على قدر المسؤولية، ولم يلعبوا لقميص المنتخب كما هو الحال مع أنديتهم الأوروبية، بعكس الجزائريين، الذين استحقوا لقب المحاربين.

10 أهداف خلال خمس مباريات سجلها منتخب الجزائر وتلقت شباكه هدفا وحيداً


يضمّ المنتخب الجزائري عدداً مميّزاً من المواهب، وأبرزهم ولدوا في فرنسا، إلا أن هذا الأمر لم يُنسِهم بلاد آبائهم، فلعبوا لها، وها هم يحققون نتائج إيجابية. بين الجزائريين ـ الفرنسيين من اختار تمثيل منتخب «الديوك»، إلا أن المشاكل لم تتركهم، فهم في كثير من الأحيان تعرضوا لعنصرية كبيرة من الفرنسيين، ولم يُستدعَوا إلى المنتخب لأسباب عنصرية أيضاً، خاصة من المدرب ديديه ديشان، وبينهم كريم بنزيما، كما سمير نصري في بعض الفترات. كل من إسماعيل بن ناصر، رياض محرز، سفيان فيغولي، ياسين براهيمي، وغيرهم، لاعبون يحملون الجنسيات الأوروبية، لكنهم اختاروا تمثيل الجزائر، وها هم يحققون المجد.
فنياً، يقدّم أبناء المدرب جمال بلماضي بطولة استثنائية من ناحية الأرقام والأداء. 10 أهداف خلال خمس مباريات، سجلها منتخب المحاربون، في حين أن شباك حارس المرمى رايس مبولحي لم تهتز إلا في مناسبة واحدة، وتحديداً في المباراة الخامسة لـ«الخضر» بالبطولة. أداء عالي المستوى يُقدمه لاعبون يعرفهم العالم جيداً من خلال أوروبا. فمعظم اللاعبين الجزائريين محترفون في أهم الدوريات الأوروبية، وهذا ربما ما ساعدهم على اكتساب خبرة جيدة، ليشكلوا جيلاً جزائرياً قادراً على صنع المعجزات، ورفع لقب القارة. بفوزهم على ساحل العاج، يكون الجزائريون قد حققوا فوزين مهمين خلال مشوارهم في البطولة، الأول أمام المنتخب السنغالي في دور المجموعات، والثاني أمام «الكوت ديفوار» في ربع نهائي المسابقة. وهذا ما يضعهم على قمّة هرم المرشحين للفوز باللقب، نظراً لما تقدّمه الجزائر، ولما يقدمه لاعبوها ومدربها.


بهذا التأهل، يكون المنتخب الجزائري قد انضمّ إلى المنتخبات الثلاثة الأخرى المتأهلة إلى الدور عينه، كل من تونس ونيجيريا والسنغال. مربّع ذهبي يحمل معه أربعة منتخبات استحقت بلوغ هذا الدور، خصوصاً بعد الصحوة المتأخرة لـ«نسور قرطاج» في دور الـ16 وربع النهائي. 3 أهداف دون ردّ، نتيجة مباراة المنتخب التونسي الذي، أخيراً، حقق فوزه الأوّل في البطولة بعد أربعة تعادلات، ليستعيد الثقة، ويصبح مرشحاً بدوره للظفر باللقب. نيجيريا عانت حتى بلغت نصف النهائي. انتصارات خجولة من زملاء المهاجم إيغالو، لكنها تبقى انتصارات، وخبرة هذا المنتخب في مثل هذه البطولة ستؤدي دوراً كبيراً. بالنسبة إلى المنتخب السنغالي، لا يمكن الحديث إلا عن كونه أكثر المنتخبات كمالاً بعد الجزائر. أداء مقنع، وأسماء مميّزة، ستشكّل الخطر الأكبر على الجزائر في مسألة حسم اللقب. الجزائر في مواجهة نيجيريا، تونس أمام أسود السنغال، مواجهتان من الممكن أن تجعلا البطولة تفتقد كل المنتخبات العربية، لكن تبقى كل الاحتمالات موجودة، ولمَ لا؟ نهائي إفريقي بنكهة عربية ــ مغربية، بين كل من الـ«جزاير» وتونس.