بثلاثة تعادلات في ثلاث مباريات، وصل المنتخب التونسي إلى دور الـ16 من بطولة كأس الأمم الأفريقية المقامة حالياً في مصر. لم يكن أكثر المتشائمين من مشجعي ومناصري منتخب «نسور قرطاج» يتوقّع أداء كهذا من قِبل رجال المدرب الفرنسي آلان جيريس، خلال دور المجموعات من البطولة. من حسن حظ المنتخب التونسي أنه وُجد ضمن مجموعة يمكن تصنيفها على الورق، على أنها من بين أسهل أو «أضعف» المجموعات التي يتمناها أي منتخب للعبور إلى الدور الثاني دون مواجهة أي صعوبات. إلّا أن ما حدث هو العكس تماماً، فلم يقدّم «التوانسة» ما كان منتظراً منهم، بل هم ظهروا في ثلاث مباريات يمكن وضعها بين أسوأ مبارياتهم خلال السنتين الماضيتين.

قبيل مونديال روسيا 2018 الأخير، مرّ المنتخب التونسي بمرحلة «انتقالية إيجابيّة»، أدّت إلى تأهله إلى كأس العالم التي غاب عنها لسنوات عدّة. مسيرة تصاعدية عاشتها تونس في السنوات القليلة الماضية، ولكنها بدأت بالهبوط تدريجياً على ما يبدو مع بداية بطولة «الكان» الحالية في مصر. نجوم تونسيّون لم يقدموا المطلوب منهم في الدور الأول، بل إنّ التشكيلة والأداء اختلفا تماماً عمّا كان عليه المنتخب التونسي تحت قيادة المدرب التونسي، واللاعب السابق نبيل معلول. الأخير، مدرب يعلم بخفايا الكرة التونسية جيداً، وعرف من أين تؤكل الكتف، وتوّج أداؤه وأفكاره الجيدة بحمل منتخبه الوطني إلى كأس العالم، وهذا ما يعد من بين أهم الإنجازات التي سيذكرها تاريخ الكرة التونسية في السنوات المقبلة، والتي ستكون كلها تحت اسم «معلول». ما يدعو إلى التساؤل، هو أن الأسماء لا تزال عينها، إن كان تحت قيادة معلول أو تحت قيادة المدرب الفرنسي الجديد، الذي تسلّم مهامه مع نهاية مشوار المنتخب التونسي في كأس العالم الأخير. وهذا ما يؤكّد في الوقت عينه، أن المشكلة التي يعاني منها «نسور قرطاج» حالياً هي مشكلة فنية بحتة.
أداء مخيّب في مجموعة سهلة، ضمت كل من منتخبات موريتانيا، متصدّر المجموعة المنتخب المالي، ومنتخب أنغولا. ثلاثة منتخبات كان الجميع يعتبرها كـ«فئران التجارب» بالنسبة إلى المنتخب التونسي، الذي وبحسب الفيفا، وبحسب التوقعات أيضاً والأداء الذي أظهره التونسيون قبل المونديال وخلاله، يعتبر كعبه أعلى بكثير من منتخبات متواضعة فنياً كالتي وجدت معه في المجموعة. حتى إن الكثيرين رشّحوا المنتخب التونسي لصدارة المجموعة وبالعلامة الكاملة، نظراً لقيمة المنتخب الفنية، خاصة أن هؤلاء اللاعبين هم ذاتهم الذين قدموا مباراة كبيرة جداً على الأراضي الروسية قبل أشهر، وانتهت بالخسارة في الدقيقة الأخيرة من الوقت الأصلي أمام منتخب إنكلترا القوي. وحتى قبل ذلك، وتحديداً في مرحلة التصفيات الأفريقية المؤهلة للمونديال الروسي، قدّم المنتخب أداءً أبهر الجميع وأعلن قوّته وجهوزيته لإحراج أيّ منتخب من الممكن أن يواجهه.

يعاني المنتخب التونسي من مشاكل عدّة أبرزها في مركز حراسة المرمى


فنياً، يعاني المنتخب التونسي من مشاكل عدّة، منها غياب حارس المرمى الأساسي بسبب الإصابة. (أخطأ الحارس فاروق بن مصطفى بهدف في المباراة الأولى، وفعل مثله معز حسن في الثانية (1-1 ضد مالي)، قبل أن يحافظ على نظافة شباكه في الثالثة). عقم تهديفي غير مبرّر، إذ تعادل المنتخب التونسي أمام كل من مالي بهدف لمثله، وأمام منتخب أنغولا بالنتيجة عينها، لتأتي المباراة الأخيرة أمام أقل المنتخبات فنياً في البطولة المنتخب الموريتاني، والتي انتهت بدورها بالتعادل السلبي من دون أهداف. ما هو لافت أيضاً، أن المباراة الأخيرة التي جمعت المنتخبين العربيين، قدّم فيها المنتخب الموريتاني أداء شجاعاً على عكس كل التوقعات، التي كان من بينها فوز المنتخب التونسي بنتيجة كبيرة ينسي عبرها جماهيره التعادل في أول مباراتين من دور المجموعات. كاد المدرب جيريس أن يدمّر حلم كل التونسيين، وذلك بسبب اقتراب هدف المنتخب الموريتاني في أكثر من مناسبة خلال المباراة، بل وأكثر من ذلك، فقد قدّم المنتخب التونسي واحدة من أسوأ مبارياته ربما في العقد الأخير. علامات استفهام كبيرة حول أداء «نسور قرطاج»، النسور التي تمكنّت من الفوز على وصيف كأس العالم المنتخب الكرواتي ضمن المباريات التحضيرية للبطولة الأفريقية. إلّا أن ما هو واضح للعيّان، هو أن أصابع الاتهام سوف تتّجه نحو المدرب جيريس، الذي لم يجد حتى اللحظة الـ«توليفة» المناسبة لخوض مباريات الـ«كان»، رغم أنه يمتلك أسماء مميزة، كيوسف المساكني، نعيم سليتي، وهبي الخزري وغيرهم من النجوم.
الشارع التونسي بدوره لم يتحمّل هذه المشاكل التي يمر بها المنتخب الوطني، إذ شنت الصحافة التونسية هجوماً قاسياً على لاعبي المنتخب والجهاز الفني، وتحديداً على المدير الفني جيريس. وكان من بينها صحيفة «الصباح نيوز» التونسية، التي وجّهت سهامها إلى زملاء قائد المنتخب يوسف المساكني، إذ عنونت، «منتخبنا بلا روح ولا أداء... ترشح بلا طعم ولا لون وتأهل غير مستحق». من جهته، أبرز موقع «الصريح أونلاين» سبب إخفاقات المنتخب التونسي، والذي برأيه هو عدم وجود أي حلول هجومية. «اللاعبون يعانون من عقم تهديفي غريب، وغياب الترابط والتجانس بين الخطوط كان واضحاً تماماً، الأمر الذي طرح تساؤلاً، هل للمنتخب الوطني فرصة حقيقية لعبور المنتخب الغاني في دور الـ16؟».
أسئلة كبيرة وعناوين عريضة، يجب أن يتحمّل مسؤوليتها، أو بالأحرى يجيب عنها في المقام الأوّل المدرب جيريس، الذي يبدو مطالباً بإيجاد الحلول المناسبة لمشاكل المنتخب التونسي. وفي حال خسر المنتخب التونسي في مباراته المقررة يوم الاثنين المقبل، سيكون على جيريس أن يبرر بعض خياراته، هذا إذا بقي على رأس الجهاز الفني، والتي من بينها عدم استدعاء نجم الأهلي علي معلول، وعدم إشراك لاعب الخبرة فرجاني ساسي خلال اللقاءت الثلاثة الأولى (طالبت بعض الجماهير المصرية الـ«زملكاويّة» مشاركة نجم فريقهم ساسي خلال مباريات المنتخب التونسي).
أول الغيث بدأ مع المعد الذهني للمنتخب، فأعلن الاتحاد التونسي لكرة القدم استبعاد الفرنسي دافيد مارسال، المعد الذهني لتونس على خلفية تقصيره في إعداد اللاعبين الذين قدموا أداء مخيباً في دور المجموعات. وفي حال الخسارة سيكون مصير كامل الجهاز الفني مشابهاً.