بالتأكيد، الأنظار كلها ستكون متجهة غداً نحو ملعب «أليانز أرينا» عندما يحل بوروسيا دورتموند ضيفاً على بايرن ميونيخ في قمة الجولة العاشرة من الدوري الألماني لكرة القدم.

إنه «كلاسيكو» ألمانيا الذي بات يضاهي قوة ومنافسة وحماسة كبرى «الكلاسيكوهات» في أوروبا والعالم، كيف لا، والفريقان يضمان نخبة من نجوم اللعبة وجل تشكيلة المنتخب الألماني بطل العالم في البرازيل، وقد أحدثا «ثورة» في الكرة الأوروبية في السنوات الأخيرة، وآخر تجلياتها كان الأسبوع الماضي بانتصارين كاسحين مرعبين في روما الإيطالية وإسطنبول التركية على حساب روما 7-1 وغلطة سراي 4-0.

إذاً، موقعة مرتقبة بكل المقاييس، وما يزيد من حماستها مواجهة لاعبي دورتموند لزميليهما بالأمس، ماريو غوتزه والبولوني روبرت ليفاندوفسكي، وذلك وسط استمرار الرئيس التنفيذي للبافاري، كارل - هاينز رومينيغيه، باستفزاز النادي الأصفر عبر حديثه المتكرر عن صفقة النجم ماركو رويس. لكن كثير من الأنظار سيسرقها رجل واحد أكثر من غيره. رجل منذ مجيئه إلى ألمانيا لا ينفك يخطف العقول. إنه طبعاً المدرب الإسباني جوسيب غوارديولا.
ماذا تصنع يا «بيب»؟ هذا السؤال الذي بات يكبر مباراة تلو أخرى نظراً لما يقدمه لنا هذا المدرب الفذ والعبقري حالياً، والذي لا يمكن الا التوقف عنده والقراءة فيه. يكفي هنا نموذج المباراة الأخيرة لبايرن أمام هامبورغ في مسابقة الكأس المحلية (3-1) للاستدلال الى ذلك، فقد قدّم لنا غوارديولا آخر ابتكاراته التي فاجأت المتابعين في الملعب والمشاهدين على الشاشة: المهاجم ليفاندوفسكي «صانع ألعاب». نعم، فمن تابع المباراة أمكنه مشاهدة «ليفا» في الكثير من اللقطات وهو يقود الهجمة من منتصف الملعب ويصنع اللعب، وهذا ما لم نألفه سابقاً مع هذا اللاعب في مسيرته، إذ إن مهمته واضحة وهي اقتناص الأهداف في داخل منطقة الخصم. ليفاندوفسكي بالنسخة البافارية أمام هامبورغ تحوّل إلى لاعب لامركزي يجيد تبادل الأدوار مع الجناحين توماس مولر والفرنسي فرانك ريبيري، وهذا ما أربك دفاع أصحاب الأرض تماماً وجعل منطقتهم مستباحة بالكامل من البافاري، ولولا تألق الحارس التشيكي ياروسلاف دروبني لكانت سباعية جديدة أكيدة في الانتظار.

تغيير مستمر
للخطط ولمراكز اللاعبين وأدوارهم


الابتكار الثاني لـ»بيب» هو اعتماده على ظهيرين في خط الوسط «دفعة واحدة» هما فيليب لام والنمسوي دافيد ألابا، وذلك كحلّ للغيابات التي عصفت بشاغلي هذا الخط الكثر: باستيان شفاينشتايغر والإسبانيين تياغو ألكانتارا وخافي مارتينيز بعد رحيل طوني كروس، الذي تمكن أيضاً «بيب» من تعويضه بـ»ضربة معلم» عبر التعاقد مع مواطنه شابي ألونسو الذي يقدّم أداءً لافتاً بقميص البافاري. وجود لام وألابا في المنتصف زاد من سرعة الأداء البافاري - السريع أصلاً - الى حدٍّ بات لا يحتمله الخصوم، وأدى إلى نشوء جبهة على الجهة اليسرى شكل فيها ألابا والظهير الإسباني، الذي يصح وصفه بـ»اكتشاف الموسم»، الإسباني خوان برنات، وريبيري مثلثاً مرعباً أمام هامبورغ.
إذاً، بعد لام في مركز لاعب الارتكاز خلف خط الوسط في الموسم الماضي، ها هو ألابا ينضم إليه ليشكلا ثلاثياً مع ألونسو هذا الموسم.
ما يفترض التوقف عنده في غوارديولا هو قدرته الفائقة في التعامل مع الكمّ الهائل من النجوم في بايرن الذي يملك، من دون مبالغة، فريقين بنفس المستوى، والأهم توظيفهم بحسب مقتضيات كل مباراة من دون أن يظهر أي تبدّل على شخصية الفريق أو فوارق بين مباراة وأخرى، وهذه مسألة غير سهلة على الإطلاق وتعكس مدى كفاءة المدرب الذي يجيدها.
هذا التفنّن الخططي لغوارديولا حالياً بات يدبّ الخوف في نفوس الخصوم، إذ إن الحيرة أضحت تملك مدربي هذه الفرق ازاء الخطة التي سيعتمدها الاسباني، وتالياً كيفية توظيفه لاعبيه في الملعب؛ وآخر الأمثلة على ذلك دور ليفاندوفسكي أمام هامبورغ.
ما هو واضح أن غوارديولا مع بايرن يثبت مباراة تلو أخرى أنه من فئة المدربين العمالقة الذين مرّوا على كرة القدم، على النقيض تماماً للصورة التي رسمها البعض له في برشلونة عبر الأصوات المجحفة التي كانت تشكك في قدراته وتُحيل شهرته التي صنعها هناك إلى كوكبة نجوم «البرسا»؛ وفي مقدمهم الأرجنتيني ليونيل ميسي. ففضلاً عن افتقاد برشلونة الواضح له، فإن التجربة مع بايرن أثبتت، ولا تزال، أن غوارديولا ليس إلا لاعب شطرنج ماهراً يبرع في تحريك أحجاره (نجومه) بالطريقة التي يشاء، والأهم أنه، بشخصيته الفذة وقدرته على التعامل مع النجوم، قادر على إجلاس أي منهم على مقعد البدلاء من دون أن يخرج أحدهم ليحتج متذمراً: ماذا تصنع يا «بيب»؟