حُكي الكثير سابقاً عن العلاقة غير الوديّة بين قطبي الكرة الالمانية بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند. لكن المتابع عن كثب لما يحصل في الفترة الاخيرة في المانيا، يدرك تماماً أن الوضع يتحوّل اسوأ يوماً بعد آخر لدرجةٍ ان كل طرفٍ مستعد لفتح النار على الآخر بشتى الوسائل المتاحة.


وما يحصل حالياً يعدّ مبرراً لاعتباراتٍ عدة، اوّلها ان الفريقين رسما منافسة ثنائية على اللقب المحلي في المواسم القريبة الماضية، حيث استعاد بايرن العرش من دورتموند بعد تلوين الاخير لألمانيا باللون الاصفر. ثاني انجح الاندية الالمانية كاد يسرق الاضواء ايضاً من كبير هذه الاندية في اوروبا، لكن البافاري منعه من هذا الامر عندما اسقطه في المباراة النهائية لدوري ابطال اوروبا الموسم قبل الماضي. بايرن لم يتوقف عند هذا الحدّ بل ذهب الى «التسوّق» من قلب دورتموند جاذباً نجومه الذين لا يمكنهم كغيرهم من لاعبي الدوري الالماني مقاومة اغراءات «هوليوود الكرة الالمانية»...


بافاريا ترى نفسها متفوّقة على بقية المدن والمقاطعات



كل هذا، زاد من حدّة التوتر بين المحورين المتنازعين، لدرجةٍ بدأ رمي الكلام الناري يصبح عادةً يومية في الصحف الألمانية، بحيث وصل الى مستوى متدن، عكسه ما قاله المدير الرياضي في دورتموند مايكل تسورك بحق المدير التنفيذي في بايرن كارل – هاينتس رومينيغيه: «سأكون سعيداً لو اغلق فمه لمرة واحدة».
كلامٌ ردّ عليه نظير تسورك في بايرن وزميله السابق في دورتموند ماتياس سامر بقوله: «لن نسمح لأحد بمنعنا من الكلام».
هذا التراشق الكلامي وعنوانه النجم ماركو رويس، الذي يبدو انه سيكون المحطة – المشكلة الجديدة بين الناديين، مستمرٌّ منذ ايام عدة، حيث يتعامل بايرن مع الوضع بثقة القاتل الواثق بالوصول الى مبتغاه، بينما يرى دورتموند ان زمن «عجرفة وعنجهية» بايرن يجب ان ينتهي.
رومينيغيه كان قد اطلق كلاماً اثار غضب دورتموند من دون شك، عندما قال: «لسنا في عجلةٍ من امرنا للتعاقد مع رويس»، ما يعكس ثقة عالية لدى الرجل بأنه يمكنه جلب نجم الفريق الاصفر ساعة يشاء، تماماً كما فعل مع ماريو غوتزه والبولوني روبرت ليفاندوفسكي، اللذين كانا مع رويس ابرز نجمين في دورتموند خلال الأعوام الثلاثة الاخيرة.
اذاً، هذا ما يكرهه دورتموند اصلاً في بايرن: العجرفة. هي تلك الصورة التي التصقت بالفريق البافاري منذ بداية تأسيسه، لا لأنه سرعان ما حصد النجاح وفرض سطوته الكروية بل لأنه يمثّل مقاطعة متهمة بهذا الامر منذ نشأة المانيا الحديثة.
وهذه المسألة جعلت دورتموند ممثلاً للأندية الالمانية في العديد من المواسم، اذ اجتمع هؤلاء مع فريق مقاطعة فستفاليا على كره بايرن او القرصان الذي اعتاد سرقة مواهب الاندية الاخرى ثم تركها تغرق في ظلمتها تماماً كما حصل مع كارلسروه في تسعينيات القرن الماضي.
لكن لا يمكن بمكان القول ان أبعاد هذا الكره محصورة بالجانب الكروي فقط حيث يعدّ بايرن الانجح والاغنى في المانيا، بل ان مقاطعة بافاريا برمّتها ترى نفسها متفوّقة على بقية المدن والمقاطعات في البلاد لانها تعدّ الاغنى. وهذا ما ثبُت عندما دفعت 3.6 مليون يورو عام 2011 لمساعدة مناطق فقيرة في المانيا، منها في العاصمة برلين. وقبلها وتحديداً عام 1986، كان البافاريون دائماً في قلب نهضة غرب المانيا حيث توجد دورتموند، وحيث حاول ابناء الغرب جعل منطقة الرور الصناعية منافسة لبافاريا على صعيد الانتاج والاكتفاء الذاتي.
بافاريا اليوم مثالٌ يحتذى في الاتحاد الاوروبي حول كيفية تحوّل مقاطعة ما في بلادٍ معيّنة من منطقة تأخذ من الدولة الى منطقةٍ تعطي وتساعد الأمة. وهذا اصلاً ما خطا عليه بايرن عام 2003 عندما نظّم مباراة خيرية لانتشال نادي سانت باولي من الافلاس، ثم ساعد دورتموند في هذا المنحى بإعطائه قرضاً قيمته مليونا يورو في خضم ازمته المالية. نعم، بايرن ليس بالمجرم كما يُصوّر احياناً، اذ كان رأس الحربة في الدفع نحو توزيع عائدات النقل التلفزيوني بالتساوي بين الاندية الالمانية، في وقتٍ كان بامكانه الحصول على حصة الاسد.
«لا يمكنك ان تكون قوياً من دون ان تكون شريراً احياناً». ربما يمكن لصق هذه المقولة ببايرن اذا ما اردنا تصوير حالة هذا النادي بين اقرانه في المانيا. لكن من دون شك فان ابعاداً سياسية غير الكروية لا تزال تترك اثرها في علاقة المناطق الاخرى بممثل بافاريا، اذ يكفي ان الاخيرة كانت مملكة منفصلة حتى عام 1918، وهي لا تزال تتصرف بمكانٍ ما بالشكل عينه، اذ ان للبافاريين تنظيمهم السياسي الخاص وثقافتهم الخاصة ومجموعاتهم الداعية للانفصال ومبانيهم الحكومية، وحتى ملابسهم التقليدية التي يقدّمون من خلالها صورتهم المغايرة عن سكان بقية البلاد.




أساس المشكلة غائب


صحيح ان اساس المشكلة المستجدة بين
بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند أي ماركو رويس، شفي من اصابته وعاد الى التمارين. لكن ليس متوقعاً ان يشارك في مباراة الليلة، وذلك على غرار زميله المدافع الدولي ماتس هاملس الذي يعاني من مشاكل ايضاً. وشارك رويس اخيراً في أول حصة تدريبية كاملة مع الفريق منذ تعرضه لإصابة في الكاحل في مباراة ودية لألمانيا في ايار الماضي. اما هاملس فقد دخل متأخراً مرحلة الإعداد للموسم الجديد بعدما تعرض لإصابة عضلية عقب نهاية
عطلته الصيفية.