وصل أبطال العالم إلى برلين. جابوا الشوارع واحتفلوا مع انصارهم بالقرب من بوابة براندنبورغ. اكتمل مشهد تتويج المنتخب الألماني بلقب مونديال البرازيل، وبطبيعة الحال، فإن قسطاً من الراحة سيأخذه هؤلاء النجوم قبل الالتحاق كل بفريقه استعداداً لانطلاق الموسم الجديد في البطولات الأوروبية الوطنية والقارية.


لكن أسئلة تفرض نفسها بعد هذا الانتصار الألماني المظفّر في ملاعب البرازيل، الذي لا تشوبه أي شائبة، بل إن الإجماع عليه يصل إلى نسب مئوية مرتفعة، وكان آخر المقرّين بذلك أمس سيزار لويس مينوتي، مدرب الأرجنتين الفائز بلقب عام 1987، وتتمحور حول مستقبل المنتخب الألماني، وفي ما إذا كان سيبسط سيطرته على الكرة العالمية والأوروبية لحقبة من الزمن، وماذا عن تأثير التتويج على «البوندسليغا»؟
ما هو واضح وشاهدنا نتائجه في هذا المونديال أن ما حققه الألمان كان نتاج وثمرة عمل وتخطيط طويلي الامد للوصول إلى هذه المرتبة من النجاح، وقد تدرج تحديداً منذ عام 2000، تاريخ السقوط المروّع في كأس أوروبا، من الفئات العمرية إلى المنتخب الأول والأندية المحلية تحت عنوان: البحث عن المواهب وصقلها. هذه الورشة الطويلة التي دخلت فيها البلاد برمتها كانت كفيلة بإنجاب هذا الجيل المميز من اللاعبين الموهوبين، فلم نعد اللاعب الألماني الكلاسيكي ذا البنية الجسدية الهائلة والقوة البدنية فقط، بل لاعبا يجمع بين هذه الصفة والموهبة الفنية واللمسة الساحرة والنضج التكتيكي العالي، المصبوغة طبعاً بالتنظيم والانضباط اللذين اشتهرت بهما المدرسة الألمانية.
وفي موازاة ذلك، فإن تطوراً طرأ على عقلية المدرب الألماني من ناحية الابداع الفكري والخططي، الذي تخطى الحدود الألمانية على عكس مثلاً الجيران الإنكليز، الذين لا يزالون أسرى الفكر التقليدي المحلي، وهذا ما ينطبق على يوب هاينكس ويورغن كلوب، اللذين أحدثا ثورة في بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند في العام الماضي، وكذلك مع يواكيم لوف، الذي لم يخف ان اسلوبه تأثر بالكرة الإسبانية لناحية الاستحواذ، والكرة الهولندية الشاملة لناحية الهجوم.
ما يمكن قوله هنا أن الأسس والأركان تبدو متينة إلى أقصى الحدود في هيكلية الكرة الألمانية، ما يجعل من التتويج باللقب العالمي في البرازيل عام 2014 مختلفاً عما كان عليه الحال في عام 1990 في ايطاليا، برغم ان الجيل وقتها كان يضم نجوماً أفذاذاً.


ما حققه الألمان كان نتاج وثمرة عمل وتخطيط طويلي الأمد


توافر المواهب والأسس في الكرة الألمانية يقودان إلى الاستمرارية


يُنتظر أن يسلط التتويج المونديالي الأضواء أكثر على الدوري
وقتها لم يستطع جيل لوثار ماتيوس ويورغن كلينسمان ورودي فولر وأندرياس بريمه والبقية بسط السيطرة على الكرة الأوروبية والعالمية بعد الظفر باللقب الصعب في ايطاليا، اذ كان السقوط المفاجئ في نهائي كأس أوروبا عام 1992 في السويد أمام الدنمارك، والخروج الصادم بعدها من ربع نهائي كأس العالم عام 1994 في الولايات المتحدة امام بلغاريا، ومن ثم السقوط المزلزل لذاك الجيل في كأس العالم عام 1998 في فرنسا على يد كرواتيا بثلاثية نظيفة في ربع النهائي، حيث لم تكن سوى كأس أوروبا عام 1996، بتوفيق في النهائي من البديل اوليفر بيرهوف، النقطة الوحيدة المضيئة في تلك الفترة.
الفرق كبير جداً هذه المرة، إذ إن البلاد تبدو حالياً «ولّادة» للمواهب بكثرة (عبر التخطيط السالف الذكر) على عكس تلك الفترة التي استنفد فيها المنتخب الألماني نجوم مونديال 90 حتى الرمق الأخير دون ظهور مواهب جديدة. هذا الامر مهم جداً لاستمرارية هذا الجيل، الذي عُدَّ أصلاً من الأصغر سناً في مونديال البرازيل، إذ إن اعتزال اي نجم، والبداية كانت مع ميروسلاف كلوزه، لن يمثل أي مشكلة للمنتخب الوطني مستقبلا، فدكة البدلاء الشابة حالياً قادرة وحدها على ان تذهب بعيداً في أي بطولة، فضلاً عن ان الكثير من المواهب اليافعة لا تزال في الفئات العمرية، وتنتظر فرصتها مع المنتخب الاول كماكسيميليان ماير وجوليان براندت وليون غوريتسكا وإيمري كان وسيرج غنابري. المواهب ضرورية طبعاً، لكن التغير في منهجية الكرة الألمانية ككل هو الأهم قبلاً.
ويبدو متوقعاً ان يسلط التتويج المونديالي الأضواء اكثر على الدوري الألماني «البوندسليغا»، الذي عرف تطوراً ملحوظاً وشعبية متزايدة في العامين الأخيرين مع النجاح المنقطع النظير لكبيريه بايرن ودورتموند في دوري أبطال أوروبا عام 2013، ومع وفود العديد من الأسماء الكبيرة إليه، أبرزها طبعاً المدرب الاسباني جوسيب غوارديولا، الذي أضاف أيضاً قيمة فنية للكرة الألمانية، بدا لوف متأثراً بها بشدة في المونديال البرازيلي. من هنا، يمكن من الآن تصور مدى الاهتمام العالمي بموقعة الغريمين بايرن ودورتموند في الموسم المقبل، نظراً إلى ضمهما الجزء الاكبر من نجوم التشكيلة المتوجة بالمونديال، هؤلاء الذين باتت لهم شعبية جارفة في العالم، يكفي اختصارها في انتظار البرازيليين لهم عند مدخل اقامتهم خلال المونديال من اجل التواقيع والصور التذكارية، فضلاً عن ان التتويج باللقب العالمي سيضخ، بالتأكيد، جرعة من الطاقة والحماسة للعمل في كافة مفاصل الكرة الألمانية، وتحديداً في قطاعات الناشئين والشباب، ذلك بعدما أتى المجهود هذه المرة بثماره على عكس الخيبات السابقة، التي كان لها تأثيرها المعنوي السلبي الكبير، الذي برغم ذلك نجح الألمان بما يميزهم من اصرار وجدية ومثابرة، في تخطيه.

ولا شك هنا في أن «الناسيونال مانشافت» مثّل «حالة» في ألمانيا خلال مونديال البرازيل، وبات ارتداء قميصه حلماً لكل لاعب ناشئ في البلاد.
بناءً اذاً على توافر المواهب بكثرة، والتغير في منهجية الكرة الألمانية، ونظراً إلى حالة إعادة البناء التي دخلت فيها معظم المنتخبات الكبرى الاخرى، فإن السيطرة الألمانية من المنتظر ان تأخذ مداها هذه المرة. فهذه النقاط مجتمعة، إضافة الى نقطة مهمة، وهي القوة والهيبة اللتين وصلت اليهما التشكيلة المتوَّجة الأحد بلقب المونديال، ومعدل الاعمار الصغير لنجومها، تجعل سيطرة الألمان مرشحة لأن لا تقتصر على كأس اوروبا 2016 المقبلة، بل أن تتعداها، دون مبالغة، الى بطولات تالية، وهذا ما يوحي اليه تصريح «القيصر» فرانتس بكنباور بشأن المرحلة المقبلة عقب التتويج باللقب الأحد، بقوله: «سيكون من الصعب جداً جداً الفوز على ألمانيا».




في برلين | تحية حاشدة لنجوم «المانشافت»

احتشد الآلاف من الالمان في برلين لاستقبال منتخب بلادهم المتوج بطلاً للعالم في مونديال 2014 اثر تغلبه على الارجنتين 1-0، في المباراة النهائية.
وصرخ مئات من الاشخاص الذين تجمهروا على احدى شرفات المطار، لدى هبوط الطائرة التابعة للشركة الوطنية «لوفتانزا» في مطار تيغيل في برلين، مرحبين بالابطال.
وفتح قبطان الطائرة النافذة الامامية بعد الهبوط ولوح بالعلم الالماني، ثم كان قائد «المانشافت» فيليب لام اول الخارجين منها حاملاً كأس العالم، ثم تبعه باستيان شفاينشتايغر وهو يلف العلم الالماني حوله، ثم توالى اللاعبون الآخرون الذين ارتدوا ملابس رياضية، ثم المدرب يواكيم لوف الذي حمل حقيبته الخاصة بنفسه.
وبعد الوصول الى مطار برلين والتقاط الصور التذكارية، استقل طاقم المنتخب حافلة ضخمة أقلّته نحو بوابة براندنبورغ للاحتفال وسط الأنصار، حيث كان في استقباله عمدة برلين كلاوس فوفيرايت.
ورأى لوف خلال الاحتفال أن «الشعب الالماني بأكمله توج بطلاً للعالم».
اما قائد «المانشافت» فيليب لام، فقال: «منذ أن كنت طفلاً وأنا أحلم بإحراز كأس العالم، وقد تحقق الحلم».
من جهته، قال مسجل هدف الفوز في المباراة النهائية ماريو غوتزه: «عشنا تجربة رائعة ستبقى معنا الى الابد. انها فرحة لا توصف».