مع كل إنطلاقة جديدة للمونديال، يكثر العرافون والعرافات، ومعهم ترتفع وتتسع سوق المراهنات في القارات الخمس. إنها، المراهنات والعرافون، صناعة عالمية تزداد مع كرة القدم. باتت مثل سباق الخيل، لكن في الكرة بات العرافون جزءاً من اللعبة. مع كل بداية مناسبة كروية عالمية، ينشط المنجمون والعرّافون للإدلاء بتوقعاتهم.


أخيراً، عرض موقع صحيفة «لو باريزيان» الفرنسية شريط فيديو لعرّافة فرنسية تدعى سابين جورج، خيبت آمال الفرنسيين، إذ قالت ان منتخبها الوطني لن يتمكن من الوصول الى أكثر من ربع النهائي. في مونديال 2006، قالت العرافة الألمانية الشهيرة يوتا كارمن: «إيطاليا ستفوز بكأس العالم لهذا المونديال، وإن ألمانيا ستصل إلى نصف النهائي».
لم تقف التوقعات عند حدود البشر، اذ تعداهم الأمر ليصل الى الحيوانات. الأخطبوط «بول» بات حالةً في كرة القدم. خطف الأضواء من نجوم كأس العالم في جنوب أفريقيا، وأصبح العراف «بول» نجما إعلامياً في كل أنحاء العالم وأثار جدلاً كبيراً بتكهناته الصائبة للمباريات. اجتذب ثقة لاعبي كرة القدم والمشجعين ورجال السياسة. فصار: «عراف المونديال». لا يمكن الجزم أن لـ «بول» علاقة بمكاتب المراهنات. لا دليل حيّاً على ذلك. لكن المفاجأة كانت عند موته، أو «اغتياله»، لا أحد يعلم. انتهى مونديال 2010 في 11 تموز ومات «بول» في 26 تشرين الأول من العام نفسه. مثّل موته فاجعة لكثيرين. موجة من الحزن انتابت إسبانيا التي أقامت حفلاً لتشييعه. بينما قال المربي المائي الخاص به: «نجاح بول كان قصة أكبر من كأس العالم نفسه. لقد أحببناه بشدة وسنفتقده كثيراً... كنت أعلم أنه سيتوفى لكنني أردته أن يظهر في الفيلم الذي كان من المقرر أن يُصَوّر خصيصاً من أجله ويحمل عنوان بول». مقابل عرض إسبانيا للحظات تشييعه، كانت ألمانيا فرحة بذلك. وفي وقت سابق، كانت محطة «أن تي أف» الإخبارية الألمانية نقلت وقائع عملية توقع الأخطبوط بنتيجة مباراة المنتخبين الألماني والإسباني مباشرةً على الهواء مرفقة بتعليق مراسليها!
في كرة القدم، هناك الكثير من حالات الجنون والظواهر الغريبة التي ترافق اللعبة، لكن «بول» كان أبرزها. بات «بول» ينتمي الى «الجماعة». ولد عام 2008 في إنكلترا، ثم نقل إلى أحواض الحياة البحرية في مدينة أوبرهازون الألمانية، لكنه «تنكّر» للبلد الذي عاش فيه واختار المنتخب الإسباني بطلاً. توقّع نتائج مباريات منتخب ألمانيا الست في «المونديال» وأصاب دائماً، ما جعله ظاهرة حقيقية في عالم التنجيم. في المباراة بين «المانشافت» و«الماتادور» اختار «بول» الأخير: أُحِّل ذبحه. غضب الألمان واقترحوا قليه أو شيه، وتحويله إلى سلطة مأكولات بحرية أو أكلة «باييلا» إسبانية. آخرون اقترحوا رميه في خزان لأسماك القرش. أما صحيفة «فيستفاليتش روندشاو»، فنشرت صورة له في صفحتها الأولى مع عنوان من كلمة واحدة: «خائن». في المقابل، تعاطف الإسبان معه إلى حد أن رئيس الحكومة الإسبانية خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو، طرح إمكانية إرسال بلاده «قوة حماية خاصة» لإنقاذ الأخطبوط!


لم تقف التوقعات عند حدود البشر، اذ تعداهم الأمر ليصل الى الحيوانات

لم قد يحزن رجال صحافة ورجال سياسة وجمهور على موت أخطبوط؟ الهوس باللعبة؟ ربما. مرةً أخرى، لا يمكن الجزم. لكن المراهنات قد تدفع الى ما لا تُحمد عقباه. قد يصل الأمر أحياناً إلى إنتحار مراهنين بعدما يكونون قد راهنوا بكل أموالهم وخسروها، وقد يدفع ذلك الى القتل أيضاً. حالة قتل لاعب منتخب كولومبيا أندريس إسكوبار الذي أُردي عقب تسجيله هدفاً بالخطأ في مرماه ضد الولايات المتحدة عام 1994 تمثل ذلك. رغم أنه لم يتأكد الرابط بين المراهنات وجريمة القتل، إلا أن الكلمات التي وجدت في مذكراته تعبّر جيداً عن الوضع: «اقتناعي صار أكبر بترك كرة القدم. عالم الكرة جميل جداً ... لكن الذين يهددون حياتنا بطلباتهم غير المقبولة يشعرونني دائماً بأن السكين تقترب من رقبتي».
وبول، مثل إسكوبار، لقي حتفه. لكن قبل ذلك، «بات بول قصة أكبر من كأس العالم نفسه». المراهنون تابعوه بكثب. ولا شك في أنهم راهنوا بناءً على توقعاته. ارتفع معدل المراهنات بمجيئه الى كأس العالم، وعلى الرغم من هفواته في بعض الأحيان، بلغ معدل دقة تكهناته خلال بطولة كأس أوروبا عام 2008، تقريباً 80%. اليوم، وبلا شك، «أرباب» مكاتب المراهنات يفتقدون «بول»، في معركة التوقعات والتكهنات عن الفائز في البطولة المقبلة. بموته، لم تنته أسطورة «الأخطبوط». «بول» يراقب المونديال عن كثب، وعلى الجميع ترقب المزيد من تنبؤاته مع بداية البطولة. مكاتب المراهنات تبحث عنه، سيتم الكشف عنه، قريباً.