بطبيعة الحال، لا أحد يشك، ولو لطرفة عين، في أنه ما من شعب في الكرة الأرضية يعشق الكرة كما يفعل الشعب البرازيلي، وفي أنه ما من شعب يمجّد الكرة كما الشعب البرازيلي، وأنه ما من شعب يحتفل بالكرة ويراقصها رقصته الشهيرة «السامبا» كما يراقصها الشعب البرازيلي، لكن هؤلاء الذين طُبعت صورهم في ذاكرتنا بأنهم دوماً يحتفلون، فإنهم كذلك يبكون جوعاً وتشرداً وحرماناً، لكنهم يخفون خلف ذلك الفرح حزناً وألماً كبيرَين


، أو بالأحرى إنهم من خلال هذه الكرة يتنفسون وينسون حزنهم، بأن الحال وصل بنسبة كبيرة منهم حتى لأن يعارضوا المونديال الذي تستضيفه بلادهم، لأن يتظاهروا وينددوا ويرفعوا الشعارات ويرسموا الجداريات على الطرقات، مطالبين بالرغيف وبعبوات الحليب لأطفالهم، بأسقف لمنازلهم يحتمون بها من لهيب شمسهم ومطر سمائهم، بكتاب مدرسة وقلم، بسرير في مستشفى يستقبل مولوداً لمزارع أو لسائق أجرة، بوسادة فيها متسع لبعض من الحلم.
في ظل هذا الواقع المرير وامام الإنفاق الكبير على بطولة كأس العالم، الذي قتل أمنياتهم بحياة أفضل، يصبح من حق البرازيليين ان يملأوا الشوارع بالاحتجاجات، أن يرفعوا شعارات كتلك اللافتة التي رفعها أحدهم في احدى المرات في ساو باولو أمام مركز «إغواتيمي» التجاري «لا أريد كأس العالم في البرازيل. فقط أريد سقفاً»، أو «لا مونديال بلا حقوق» و«البرازيل استيقظي... قيمة المدرّس ارفع من قيمة نيمار».
في ظل هذا الواقع، وأمام ازدياد الفقر والهوة مع الاغنياء، يصبح من حق البرازيليين أن يعلنوا الاضرابات التي بدأت منذ كأس القارات لنقل صورة مآسيهم الى العالم، كذاك الاضراب الذي نفّذه قبل أيام نحو 100 مدرس، بحيث تجمعوا حول الفندق الذي أقامت فيه بعثة المنتخب البرازيلي استعداداً للحدث العالمي للمطالبة بالدعم المالي للقطاع التعليمي، حتى إنهم لم يتوانوا عن مهاجمة الحافلة التي تقلّ نجوم «السيليساو» الى مركز التدريبات في «غرانغا كوماري» في مدينة تيريسوبوليس في ريو دي جانيرو.


يعتزم بعض
البرازيليين التعبير عن غضبهم من خلال تشجيع منتخبات أخرى


نجوم سابقون
انضموا إلى صفوف المحتجين على غرار روماريو وريفالدو
في ظل هذا الواقع وما رواه البعض عن اجلائهم من أحيائهم الفقيرة بجانب الملاعب التي ستستضيف المونديال من أجل تشييد متنزهات ومتاجر لراحة السياح خلال البطولة، يصبح من غير المفاجئ أن يعارض شعب كروي كالشعب البرازيلي إقامة المونديال على أرضه، كأن يكشف استطلاع للرأي أجراه معهد «داتافولها» قبل شهرين من انطلاق كأس العالم أن نسبة 55 بالمئة من البرازيليين ترى أن الأضرار التي سيجلبها تنظيم بلادهم للحدث العالمي الكبير ستكون أكبر من المنافع التي يمكن أن يحققها. او أن يصل الامر ببعضهم إلى الاعلان عن عزمهم على التعبير عن غضبهم من خلال تشجيع منتخبات أخرى في المونديال، وذلك لأنه «سيجري تناسي كافة أوجه الفساد المحيطة بالبطولة في حال فوز البرازيل باللقب»، كما يرى أحدهم، بينما يقول آخر: «سأشجع أنا والكثيرين ممن أعرفهم الفرق المنافسة للبرازيل لتخرج مبكراً من البطولة، على الرغم من أن الجميع ليس منفتحاً على هذه الفكرة. الأمر محزن، إلا أنني أفكر الآن في البرازيل كدولة، لا البرازيل كمنتخب كروي».
في ظل هذا الواقع وأمام ازدياد المآسي، لا يعود غريباً أن ينضم كبار من نجوم الكرة السابقين في البرازيل الى صفوف المحتجين، وفي مقدمهم بطل العالم عام 1994 روماريو، الذي ما انفك يهاجم اللجنة المنظمة للبطولة، ولو كان في عدادها زميله السابق «الظاهرة» رونالدو، وكذلك حكومة بلاده، وقد قال في إحدى المقابلات مع إذاعة «غلوبو» المحلية من جملة ما قاله: «لست ضد كأس العالم، لكني لا أستطيع أن أؤيد إنفاق كل هذا المال على استضافة البطولة. بقدر ما نحتاج لكأس العالم، فإن الشعب البرازيلي يستحق الاحترام. لا يستحق هذه الطريقة المسيئة في استخدام أمواله».
أما النجم الآخر وبطل العالم في 2002، ريفالدو، فقد كتب مرة في حسابه الشخصي على موقع «تويتر»: «من المؤسف أن يُنفَق هذا الكم الهائل من الأموال على المونديال، في الوقت الذي تعاني فيه المدارس والمستشفيات ظروفا سيئة»، وفي مرة أخرى «عشت حياة فقيرة في صغري، واستشعرت الاهمال في المدارس والمستشفيات، هذا يؤلمني لأن والدي كان يعاني وتوفي لأنه لم يجد رعاية صحية مناسبة».
في ظل هذا الواقع، وتنفيساً عما يُطبق على القلوب، يصبح من الطبيعي أن تنتشر جداريات «الغرافيتي» المعبّرة في الطرقات، وأشهرها تلك المؤثرة التي رسمها قبل حوالى شهر على انطلاق الحدث العالمي الفنان باولو ايتو بجوار مدرسة بومبي، في ولاية ساو باولو، لطفل جائع يبكي وأمامه طبق فيه كرة قدم، والتي لاقت رواجاً على مواقع التواصل الاجتماعي في العالم. وحتى أن تُعلن مجموعة «أنونيموس» المتخصصة في قرصنة مواقع «الانترنت»، قبل أيام، أنها تستعد لشن هجوم الكتروني على الشركات الراعية لكأس العالم في البرازيل احتجاجاً على الانفاق المسرف على البطولة، ونصرةً للفقراء.
في ظل كل هذا الواقع اذاً، ستستقبل البرازيل العالم. ستردنا في كل ساعة من ساعات مونديالها مئات اللقطات للفرح والرقص والاحتفالات، لكن ما لن تنقله الكاميرات، بالتأكيد، لقطات كتلك التي رسمها باولو ايتو لطفل فقير في تلك الارض. طفل جائع يبكي في بلاد الكرة، وسيّاح سيأكلون ما لذ وطاب، ويشربون حتى الثمالة نخب الفرح والانتصارات. تلك هي الصورة المزدوجة المؤلمة التي تنتظرنا في مونديال البرازيل، والتي تزيد المأساة حرقة ولوعة. تلك الصورة التي لا يمكن أن يستوعبها عقل، أو يحتملها قلب!