يختلف كثيرون بلا شك في توصيف أداء منتخب لبنان في مواجهته مع العملاق الكوري الجنوبي يوم أمس. البعض قد يقول إن اللبنانيين لعبوا برجولية وواقعية سعياً وراء نقطة في ملعب منتخبٍ لا يرحم على أرضه. أما البعض الآخر فقد يخرج بكلامٍ من نوع أن المنتخب لم يكن يُفترض أن يلعب بهذه العقلية الدفاعية البحتة، وأن يتمتع بالشجاعة لمقارعة خصمه بغض النظر عن قوته الجماعية وإمكاناته الفردية.

أما النظرة التحليلية الموضوعية فقد تأخذ جزءاً من كل رأي حتى بعيداً مما ذُكّر سلفاً، وذلك في ظل تعدّد الآراء. منتخبنا ذهب إلى كوريا الجنوبية مدركاً أنه أمام «معمودية نار» جديدة، خصوصاً بعدما صعّد الكوريون في كلامهم وتوعّدوا بتسجيل الأهداف الكثيرة، فكانت النتيجة غير المرضية بالنسبة إليهم والمقبولة بالنسبة إلينا بالنظر إلى الظروف التي عرفها المنتخب في الأسابيع الأخيرة، وبالنظر إلى نقاطٍ فنية عدة لا يمكن إسقاطها من المعادلة عند الحديث عن سبب خسارة لبنان مرة جديدة أمام «محاربي التايغوك».

أبرز مباريات اليوم


تصفيات كأس العالم
اليونان x السويد 21:45
كوسوفو x إسبانيا 21:45
آيسلندا x ألمانيا 21:45
إيطاليا x ليتوانيا 21:45
بولندا x إنكلترا 21:45
روسيا البيضاء x إنكلترا 21:45


الواضح أن المدير الفني التشيكي إيفان هاشيك أوعز إلى لاعبيه بضرورة الدفاع قبل أي شيءٍ آخر، ولهذا السبب كشفت الإحصاءات فارقاً كبيراً بعد نهاية الدقائق الـ45 الأولى من عمر المباراة، حين استحوذ الكوريون بنسبةٍ عالية وصلت إلى 71 في المئة، وسددوا 14 مرّة مقابل 3 تسديدات للبنان واحدة منها فقط كانت بين الخشبات الثلاث، بينما كان نصيب كوريا 7 تسديدات مباشرة على المرمى، وهي التي كسبت 9 ركلات ركنية مقابل واحدة فقط للبنانيين.
أرقامٌ تحكي عن واقع الحال، إذ إن هاشيك أراد تجنّب الخسارة أو أقله الهروب من خسارةٍ ثقيلة، فهناك في كوريا كانت للبنان سوابق مؤلمة. ولهذا السبب كان واضحاً أن مهمة الظهيرين انحصرت فقط بالدفاع، وسط طلبٍ واضح من أي جناح بلعب دور الظهير المساند، وهو تماماً ما فعله سوني سعد طوال اللقاء ما أبعده عن منطقة الجزاء بعكس مواجهته الأخيرة لكوريا حيث سجل هدفاً.
المهم أن هذه الخطة كانت مناسبة بنظر الكثيرين، لكنها لم تخرج نتيجةً مثالية لأن الكوريين وجدوا الطريق أكثر من مرّة باتجاه منطقة الجزاء أو نجحوا بالتصويب على مرمى المتألق مصطفى مطر الذي كان بطلاً بكل ما للكلمة من معنى بتصديه لوابل التسديدات من مختلف المسافات على مدار الشوطين، فكان أفضل لاعبي «رجال الأرز» للمباراة الثانية على التوالي.

الواضح أن الفارق في المستوى تقلّص بين منتخب لبنان وكبار القارة الآسيوية


طبعاً كان من الصعب على هاشيك فتح الملعب والدليل أنه مع كل خسارةٍ للكرة كان الكوريون ينطلقون بسرعةٍ رهيبة على الجناحين خاصةً من دون أن يشعروا حتى بغياب نجمهم وقائدهم هيونغ مين سون الذي استبعد بسبب الإصابة. وبالفعل كانت الدقيقة 59 شاهدة على هذا الكلام، وذلك عندما انطلق المزعج هوانغ هي تشان على الجهة اليسرى ولعب كرة عرضية تابعها المندفع إلى داخل المنطقة كوون تشانغ هوون من مسافة قريبة بقوة إلى داخل الشباك.
هذا الهدف كشف عن الفوارق بين المنتخبين، منها ما يرتبط بالخبرة التي أفقدت وليد شور توازنه فلم يتمكن من مواكبة صاحب الهدف والتغطية عليه بالشكل المطلوب، ومنها عامل اللياقة البدنية التي لم تكن لتسمح للمنتخب اللبناني بلعب مباراةٍ مفتوحة مع الكوريين أو محاولة اعتماد الضغط على خطوطهم لمدة 90 دقيقة، إذ إلى جانب بعض اللاعبين الذين ابتعدوا عن المباريات لفترةٍ غير بسيطة، لم ينطلق الدوري بالنسبة إلى المحليين، وهو ما ترك تأثيره في بعضهم والدليل ظهور القائد حسن معتوق متعباً.
وبعيداً من غياب محمد حيدر الذي ارتأى الجهاز الفني في النهاية عدم المخاطرة به، يمكن التوقف عند نقطةٍ مهمة وهو التأثير الإيجابي لربيع عطايا في كل مرّة يدخل فيها إلى أرض الملعب حيث يلعب دور المحرك. لكن وإن كان يحتاج هاشيك إلى وضع الثقة بكل لاعبيه والتعرّف أكثر عليهم من خلال مساعديه المحليين، فإن الرجل فكّر مليّاً بحسابات الأسماء، إذ لم تكن التشكيلة الأساسية تحتمل إشراك أكثر من لاعب غير قادر على الاندماج بالخطة الدفاعية أو القيام بالمجهود المضاعف، علماً أن لبنان وخلال بعض فترات المباراة ترك شعوراً بأنه كان بإمكانه تقديم أداءٍ أفضل إذا ما تمكن من الحفاظ على رباطة جأشه الدفاعية في موازاة إيجاد حلولٍ هجومية.
وعن الأسماء نتحدث، فإن أحد المكاسب من المباراتين أمام الإمارات وكوريا الجنوبية هي عدم إعارة أي اهتمام لاسمٍ ثقيل غائبٍ أو غير جاهز للمشاركة بل إن الأكثر جاهزية والأفضل هو من سيلعب في نهاية المطاف. كما أن اللاعبين الناشطين في الدوري اللبناني اثبتوا أنه بإمكانهم الارتقاء إلى مستوى التحدي، وتحديداً الوجوه الجديدة التي دخلت إلى التشكيلة الأساسية، أمثال الظهير الأيمن عباس عاصي، والحارس مطر الذي وضع منذ الآن زميله مهدي خليل تحت ضغطٍ وتحدٍ كبيرين، حيث لا يمكن استبعاد الأول من أي حسابات في ما خصّ المركز الرقم 1 بعدما أثبت علوّ كعبه في اختبارين صعبين.
نعم خسر لبنان مباراته، لكن مكسباً آخر خرج به، هو مكسب عام يفترض أن يدفعه لتقديم أداءٍ أفضل في المستقبل القريب، إذ إن الواضح أن الهوّة تقلّصت مع كبار القارة، وما إن يجد منتخبنا التوازن المطلوب بين طريقته الدفاعية وإمكاناته الهجومية، فسيصبح خصماً مزعجاً لأي منافسٍ، وهو أمر يمكن سؤاله لما لُقّب يوماً بـ «الشمشون» الذي لم يعد على شاكلة هذا الوصف، أقلّه عندما يواجه «رجال الأرز».