قبل 4 أيام على الذكرى العاشرة لذاك الانتصار الوحيد الذي حقّقه لبنان على الإمارات في تاريخ لقاءاتهما، تتجدّد المواجهة بين «رجال الأرز» و«الأبيض» في مرحلةٍ مهمة جداً من التصفيات المونديالية.

المنتخبان اللذان التقيا 11 مرة رسمياً ووديّاً منذ لقائهما الأول عام 1979 ضمن تصفيات كأس آسيا 1980 (فازت الإمارات 7 مرات مقابل فوز وحيد للبنان و3 تعادلات) يدركان تماماً أن أوّل مباراة في هذا الدور هي الأهم لأنها ستشكّل نقطة انطلاق وترسم طريقاً واضحاً لكلٍّ منهما قبل الغوص في المباريات الأخرى ومنها ما يحمل صعوبة أكبر بالتأكيد بحكم وجود كوريا الجنوبية وإيران والعراق في المجموعة، إضافةً إلى المنتخب السوري الذي يملك بدوره عناصر جيّدة.
ولهذا السبب اختار المنتخب الإماراتي «استاد زعبيل» في دبي مرةً جديدة بعدما اعتاد طوال سنواتٍ خلت على خوض المباريات المهمة في العاصمة أبوظبي أو العين، فهناك في هذا الملعب تطلّ الأجواء الإيجابية بالنسبة إلى أصحاب الأرض الذين كانوا قد تصدّروا المجموعة السابعة بعد فوزٍ على فيتنام (3-2) في الجولة الأخيرة من الدور السابق.
ورغم الظهور القويّ للإمارات في هذه التصفيات، فإنّ الحذر كان واضحاً في كلام مدربها الهولندي المعروف «بيرت فان مارفيك» ولاعبيه الذين لم يظهروا أي استهانة بخصمهم، وهو أمر مردّه إلى الصيت الذي صنعه لبنان لنفسه سنةً بعد أخرى حتى أطل في كأس آسيا الأخيرة التي أقيمت في الإمارات نفسها.
لكن لا يخفى أن مشاكل لبنان هي أكبر بكثير من تلك التي عرفها المنتخب الإماراتي عشية اللقاء، إذ أقلّه خسر اللبنانيون لاعباً واحداً في كلّ خطٍ من خطوطهم، انطلاقاً من حراسة المرمى حيث يغيب الحارسان مهدي خليل (إصابة) وعلي ضاهر (كورونا)، ومروراً بالدفاع حيث ابتعد بدايةً ماهر صبرا (إصابة) ومن ثم نور منصور وحسين الزين (كورونا)، ومروراً بخط الوسط الذي شهد إصابة محمد الدهيني بالفيروس أيضاً وعدم التحاقه، ووصولاً إلى الهجوم الذي سيفتقد بالتأكيد إلى محمد قدوح للسبب عينه.

مشاكل لبنان أكبر بكثير من تلك التي عرفها المنتخب الإماراتي عشية اللقاء بينهما


كل هذا يترك المدرب الجديد التشيكي إيفان هاشيك أمام مهمة معقّدة وحسابات مجهولة النتائج، لكن الإيجابية الوحيدة بالنسبة إليه هي أن المنتخب يضمّ عناصر كثيرة سبق أن خاضت غمار مباريات دولية حساسة من هذا النوع، وغالبيتها من المحترفين في الخارج الذين يمكن الاعتماد على خبرتهم واحتكاكهم بلاعبين على مستوى عالٍ لصناعة الفارق. وهذه المسألة تُختصر بوجود جوان العمري الذي احترف في الإمارات سابقاً تماماً كما هو حال حسن معتوق، في وقتٍ يبدو وجود الأخوين روبرت وأليكس ملكي مهماً جداً بفعل اكتسابهما الخبرة الآسيوية المطلوبة. وكذا بالنسبة إلى نادر مطر المنضم حديثاً إلى المعيذر القطري، بينما يمكن لحسن «سوني» سعد المتألق أخيراً مع المنتخب والوحدات الأردني وعمر شعبان «بوغيل» وباسل جرادي أن يؤمّنوا التوازن التكتيكي بفعل نضجهم على هذا الصعيد وبروزهم مع الأندية التي يلعبون لها، تماماً كما هو حال ربيع عطايا القادم من ماليزيا بمعنوياتٍ عالية.
لكن الخبرة والمعنويات ليست كل شيء، إذ يجب النظر إلى إمكانات المنتخب الإماراتي وتحليلها بشكلٍ صحيح لمعرفة إيجاد الحلول وتفادي أي نتيجة سلبية، وهي مسألة ترتبط بالجهاز الفني كاملاً الذي لا بدّ أنه جمع المعلومات المطلوبة لقراءة «الأبيض» الذي لا يعاني من مشاكل جمّة كما هو حال لبنان، إذ إن غياباته المهمّة اقتصرت على خسارته مدافع بني ياس حسن المحرمي بسبب إصابة في الركبة، بينما تعكّرت استعداداته بمعاناة لاعب الوحدة خليل الحمادي من وعكة صحية، فتمّ استبداله بلاعب الوصل علي صالح، إضافةً إلى استدعاء طارئ للاعب شباب الأهلي عبد الله النقبي.

من تدريبات المنتخب اللبناني عشية مواجهة الإمارات (موقع الاتحاد اللبناني لكرة القدم)

لكن الواقع أن الاستقرار يبدو حاضراً في المعسكر الإماراتي، خصوصاً أن «الأبيض» الذي خسر مباراتين من أصل أربع في بداية التصفيات أمام تايلاند وفيتنام، عاد بقوة مع «فان مارفيك» مسجلاً 15 هدفاً في المباريات الأربع الأخرى. كيف لا وهو يضم في صفوفه أفضل هداف في تاريخه علي مبخوت الذي سجل 76 هدفاً دولياً ليتساوى مع النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي على هذا الصعيد ويقف على بعد هدفٍ واحد من رقم «الملك» البرازيلي بيليه. ومبخوت نفسه هو هداف التصفيات الآسيوية بـ11 هدفاً سجّلها لمنتخبٍ وجد فيه نفسه إلى جانب هدّافٍ مرعبٍ آخر هو الأرجنتيني الاصل سيباستيان تيغالي الذي سبق أن دخل في سباقٍ مباشر معه على انتزاع لقب الهداف التاريخي للدوري الإماراتي من النجم السابق فهد خميس.
وبالحديث عن المجنّسين فإن جزءاً كبيراً من قوة الإمارات حالياً هما الثنائي البرازيلي المولد فابيو ليما وكايو كانيدو، فهما إلى جانب ضابط الإيقاع في خط الوسط عبد الله رمضان، عوّضا عدم جهوزية النجمين المعروفين عمر عبد الرحمن وخلفان مبارك، إذ بعد 6 أعوام على وصوله إلى دبي للعب مع النصر حصل الأول على الجنسية الإماراتية العام الماضي ليعلن بعدها نفسه نجماً مؤثراً في تشكيلة المنتخب الخليجي بتسجيله 6 أهداف في 9 مباريات دولية، لا بل إنه أظهر تفاهماً مخيفاً مع كايو تماماً كما كان عليه الأمر عندما لعبا سويّاً وقبل انتقال الثاني إلى العين.
هي مباراةٌ صعبة جداً، وهو أمر يعرفه الكل، لكن لا يمكن إسقاط أي حظوظ للبنان الذي سيستعيد جمهوره اليوم ذكريات 6 أيلول 2011، عندما سجّل محمد غدار وأكرم مغربي ورضا عنتر ثلاثة أهداف في الشباك الإماراتية على ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية، ليفوز «رجال الأرز» بنتيجة (3-1)، وتبدأ رحلة الحلم المونديالي.م