فاز برشلونة بأولى مبارياته في الموسم الجديد للدوري الإسباني لكرة القدم على حساب ريال سوسييداد الأسبوع الماضي، لكن المباراة لم تمرّ بهدوء وسلام. الجماهير على قلّتها في ملعب «كامب نو» هاجمت الرئيس جوان لابورتا متّهمةً إياه بعدم القيام بمجهودٍ كافٍ لإبقاء النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي في النادي. هذه الهجمة أجبرت الرئيس العائد إلى منصبه على الخروج علناً لتصويب الأمور من خلال الكشف عن الحجم المخيف للديون التي يرزح النادي تحت ثقلها، فكشف عن رقمٍ وصل إلى 1.35 مليار يورو (1.6 مليون دولار)، واصفاً الوضع بالمأسوي، خصوصاً أن النادي هذا الموسم مدعوّ لدفع رواتب تقدّر بقيمة 617 مليون يورو.

وكلمة مأساة هي أقلّ ما يُقال عن حالة برشلونة الحالية، فالرقم المذكور مرعب فعلاً بالنسبة إلى نادٍ بحجم «البرسا» الذي اعتاد على استقطاب أفضل نجوم العالم عبر تاريخه، لكنه لن يستطيع القيام بهذا الأمر بعد الآن، والدليل أنه أبرم صفقات مجانية هذا الصيف، لا بل إنه يبدو مُجبراً الآن على الاستغناء عن أكبر عددٍ ممكن من اللاعبين المهمّين أصحاب الرواتب العالية لكي ينجو من الإفلاس.
وهذه الحالة بات الجميع يعلم بها، لكن قلّة تعرف كيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة الصعبة، ولو أن أصابع الاتّهام توجّه أوّلاً وأخيراً إلى الإدارة السابقة برئاسة جوسيب ماريا بارتوميو التي كشف التدقيق المالي عن تخطّيها أصول الصرف في النادي على مختلف المستويات لدرجةٍ أن أحد كشافي النادي في أميركا الجنوبية تقاضى مبلغاً ضخماً بلغ 8 ملايين يورو لقاء مهمّته!

خسائر مالية بالجملة
رقمٌ قياسيّ بلا شك بالنسبة إلى كشّاف، لكن أرقام الرواتب أيضاً بلغت أرقاماً غير مسبوقة، بحيث تخطّت نسبتها 103 في المئة من عائدات النادي الذي بلغت خسائره أخيراً 481 مليون يورو (567 مليون دولار)، ما جعل من الصعب عليه اقتحام سوق الانتقالات بالطريقة الطبيعيّة أو مفاوضة لاعبين أصحاب أسماء كبيرة للانضمام إليه بفعل معرفته مسبقاً بأنهم سيطلبون رواتب لا يمكن تأمينها.
هذه الأزمة التي قيل إنها ستكبر لو أن النادي مدّد عقد ميسي بشكلٍ كان سيُغرقه بالديون لمدة 40 أو 50 سنة مقبلة، كان أساسها أصلاً الرواتب التي تشكّل قيمتها 390 مليون يورو (460 مليون دولار) من حجم الديون، بينما هناك ديون للمصارف وصلت إلى 670 مليون يورو (790 مليون دولار)، آخرها كان اقتراض 525 مليون يورو لمدة 15 سنة من مصرف «غولدمان ساش» الشهر الماضي بفائدة تبلغ 3 في المئة. كما تُضاف 40 مليون يورو (47 مليون دولار) كخسائر جرّاء إلغاء الاشتراكات الموسمية، وقد ترافقت مع خسائر أخرى بلغت 91 مليون يورو (107 ملايين دولار) جراء ارتدادات تفشّي وباء «كورونا»، وارتفعت إلى 203 ملايين يورو إذا ما احتسبنا لعب المباريات من دون جماهير وإغلاق النادي وملعبه ومتحفه أمام السياح القادمين من مختلف أقطار العالم طوال أشهر السنة.
كل هذا يُفضي إلى إعلان حالة طوارئ سريعة تتمحور حول تخفيض رواتب اللاعبين بمجموعٍ يصل إلى 200 مليون يورو (235 مليون دولار)، وهي مسألة بدأت مع قبول جيرار بيكيه بهذه الخطوة لكي يتمّ السماح بتسجيل الوافدين الجدد إيريك غارسيا والهولندي ممفيس ديباي والأرجنتيني سيرجيو أغويرو، بسبب وضع رابطة الدوري الإسباني سقفاً للرواتب لأندية الدرجتين الأولى والثانية في البلاد.

لن يكون برشلونة قادراً على ضمّ نجومٍ كبار لأعوامٍ عدّة في ظل الديون التي وصلت إلى 1.6 مليار دولار


فعلاً لم يكن مستغرَباً أن يضع لابورتا أكثر من مرّة يده على جبينه خلال إطلالته الأخيرة، وكأنّه يعاني من آلامٍ كبيرة في الرأس، فهو ما إن جلس مستعرضاً الأرقام المتروكة على طاولته حتى أدرك أنه أمام مهمة صعبة جداً، خصوصاً في ظلّ ظروفٍ عالمية أصعب عرفتها كرة القدم عامةً.
مهمةٌ سيكون لابورتا وإدارته مجبرين على التعامل معها بفكر رجال «البيزنس» لا بفكرٍ كرويّ صرف لناحية السعي أولاً إلى حصد المجد، فالصفقات الفاشلة التي أبرمها «البرسا» سنةً بعد أخرى رتّبت عليه ديوناً كبيرة، وزادها طبعاً منح هؤلاء القادمين مبالغ فاقت الـ100 مليون يورو، رواتب خيالية لم يكونوا ليحصلوا عليها في أنديةٍ ثريةٍ أخرى، أمثال الفرنسي عثمان ديمبيلي والبرازيلي كوتينيو اللذين يحاول عبثاً التخلّص منهما.
لذا لا يمكن لبرشلونة إلقاء اللوم على «كورونا» لتسبّبها بدينٍ فاق المليار يورو، فهذا النادي تصدّر «دوري الأرباح» لسنواتٍ عدة بعائدات تتخطّى الـ4 مليار يورو في السنة الواحدة، لكن فوضى الصرف أوصلته إلى حالةٍ يُرثى لها مع صفقاتٍ غير مبرّرة بحجمها، على غرار استقدام البرازيلي أرثر ميلو، ومن ثم بيعه إلى يوفنتوس الإيطالي ونقل البوسني ميراليم بيانيتش للحلول مكانه براتبٍ غير بسيط من دون الاستفادة منه، تماماً كما هي حال كوتينيو وديمبيلي الذي ينتهي عقده في الصيف المقبل، لكن «البلاوغرانا» تلقّى صفعةً خلال سوق الانتقالات تمثّلت بإصابته وتالياً استحالة بيعه. كما أن التعاقد مع لاعبين مثل جونيور فيربو والفرنسي جان كلير توديبو والبرتغالي ترينكاو لم يكن ضرورياً بل رتّب المزيد من الأعباء المالية، وأجبر النادي على التخلّي عن وجوهٍ شابة مثل كارليس ألينا الذي مع فيربو وتوديبو لم يجمعوا سويّاً أكثر من 28 مليون يورو عند الاستغناء عنهم، بينما اضطر برشلونة إلى دفع مبلغٍ لخوان ميراندا لفسخ عقده قبل انتقال الأخير إلى ريال بيتيس.

ميسي ضحية منطقية
ومع كلّ هذا الاستعراض للوضع العام الشائك أصبح برشلونة مجبراً على العمل وفق ميزانية تصل إلى 160 مليون يورو لا أكثر هذا الموسم أي ربع الميزانية التي صرفها في موسم 2019-2020 وبلغت 671 مليوناً.
واللافت أنه لا يمكن للنادي الكتالوني الهروب إلى الأمام بعد الآن، إذ إنّ رابطة «الليغا» فرضت على الأندية الـ42 في الدرجتين الأولى والثانية العمل ضمن ميزانية تلتقي مع عائدات النادي وخسائره واستثماراته وخطته المالية لتذويب ديونه في حال وُجدت، وهي غالباً حاضرة في معظم الأندية، إذ حتى بطل الدوري أتلتيكو مدريد مديون بـ432 مليون يورو. وتبدو الرابطة حازمة في هذه المسألة إلى أبعد الحدود لحماية الأندية و«الليغا» بدرجتَيها، والدليل أنها لم تتردّد في دفع «البرسا» نحو الاستغناء عن أعظم لاعب في الدوري، ولو أن هذه الخطوة ستفُقد البطولة جزءاً كبيراً من قيمتها الجماهيرية والتسويقية.
رئيس الرابطة خافيير تيباس كان واضحاً حيال القوانين الموضوعة: «أيّ نادٍ يتخطّى سقف الرواتب عليه أن لا يتعاقد مع لاعبٍ يفوق ما سينفقه عليه نسبة الـ25 في المئة من قيمة الموجودات في النادي، أي إذا باع برشلونة لاعباً بقيمة 100 مليون يورو لا يمكنه شراء آخر أو دفع راتب لآخر بقيمة تتخطّى الـ25 مليون يورو». لهذا السبب فُتح باب الرحيل أمام ميسي الذي كان يكلّف النادي القسم الأكبر من الرواتب التي تصدّر لائحتها عام 2020 بقيمةٍ إجمالية وصلت إلى 443 مليون يورو أي أكثر بـ 42 مليون يورو من مانشستر سيتي الإنكليزي المعروف عنه دفعه رواتب عالية لاستقطاب النجوم إليه.
نجومٌ لن نرى مثلهم في برشلونة في الأعوام القريبة المقبلة، خصوصاً أن النادي الذي تقلّص المبلغ الذي يحصل عليه من الراعي الرئيس «راكوتن» من 55 مليون يورو إلى 30 مليوناً، لم يتمكّن من الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا طوال ست سنوات رغم صرفه 960 مليون يورو في سوق الانتقالات أي أكثر بـ202 مليون من تشلسي الذي يعدّ أكثر الأندية الإنكليزية صرفاً في «الميركاتو»، أو يوفنتوس الذي صرف 159 مليون يورو في رقمٍ هو الأعلى في إيطاليا.
أما الحلول فهي تأخذ اتّجاهات مختلفة، بدأها برشلونة بالسير على خطى ريال مدريد الذي كما غريمه استغنى عن أفضل لاعبٍ لديه أي البرتغالي كريستيانو رونالدو للتخلّص من راتبه، ومن ثمّ لم يقتحم السوق بصفقات تفوق قدرته مانحاً الفرصة لوجوهٍ شابة أو أخرى استعادها من الإعارة، وهو ما سيفعله «البرسا» تباعاً، إذ لا كبير بعد اليوم في تشكيلته فالكلّ قد تتمّ التضحية بهم لخلاص النادي وإبعاد شبح الإفلاس والانهيار عنه.