ما هي المباراة المثاليّة للمشاهدة؟ التي يُسجّل فيها عدد كبيرٌ من الأهداف عبر الفريقين؟ أو التي تنتهي بالتعادل السلبي؟ هجماتٌ متواصلةٌ أو بناء اللعب من فريقٍ، ودفاعٌ من آخر؟ تبادل كراتٍ وتمريراتٍ سريعة، أو استحواذ بانتظار استغلال الخطأ والوصول إلى حارس المرمى؟ الأذواق تختلف، ليس بين المشجعين فحسب، بل بالنسبة إلى الأجهزة الفنية أيضاً (المدربين والمساعدين)، وربما إلى المصوّرين ومخرجي المباريات، أو إلى الفرق الإحصائية حتّى. لكنّ ثمّة ثابتاً واحداً، هو أنّ أحداً لا يريد مشاهدة مباراةٍ نادراً ما تتحرّك الكرة فيها.

تتوقّف الكرة في المباراة لأسباب عدّة، منها روتينية، كاحتساب الأخطاء، ورميات التماس، والركنيات، والاحتفال بالأهداف، ولعب الكرة الأولى بعد تسجيل الأهداف، والتبديلات، وإصابات اللاعبين، حقيقيةً كانت أم مُزعمة، أو للإنذارات الشفهيّة وإشهار البطاقات. التوقّف يحصل أحياناً بطلب من الحكم، لإصابته، أو لتحدّثه مع مساعديه، أو مع مراقب المباراة، أو مع المدربين، أو لمشاهدة الإعادة عبر تقنية الفيديو. ربما يطلب الحكم إيقاف اللعب لاستراحة شرب المياه، أو بسبب رمي مفرقعات نارية، أو لاقتحام كلبٍ أرض الملعب فجأة. الأسباب كثيرة، وجميعها تُساهم في إبطاء نسَق اللعب، والأخير، يلعب دوراً كبيراً في تحديد قوّة الدوري.
مباراة كأس السوبر 2021 التي لُعبت يوم السبت الماضي توقّفت 94 مرة. وقت اللعب الفعلي في الشوط الأول كان 26.68 دقيقة، مع احتساب ثلاث دقائق من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، مقابل 21.82 دقيقة في الشوط الثاني، الذي امتدّ إلى 50 دقيقة (احتسب الحكم أربع دقائق من الوقت بدل الضائع واستمر اللعب لثوانٍ بعد تسجيل الأنصار هدف التعادل في الدقيقة الخامسة الإضافية). هذا الفارق طبيعي، نسبةً إلى وجود طرفٍ مستفيدٍ من النتيجة، وهو النجمة في هذه الحالة، الذي كان متقدّماً بفارق هدف. الحارس علي حلال مثلاً، سقط أرضاً خلال التحامٍ بسيط مع أحد اللاعبين، واستغرق نهوضه ولعب الكرة مجدداً دقيقة و18 ثانية. الهدف من ذلك كان إضاعة الوقت لمصلحة فريقه.

توقّفت مباراة النجمة والأنصار 94 مرة وكان وقت اللعب الفعلي في الشوط الأول 26.68 دقيقة و21.82 دقيقة في الشوط الثاني


توقّف اللعب في المباراة جاء على الشكل التالي: (29) رمية تماس، (31) خطأً، (12) ركنية، (4) حالات تسلّل، (6) كرات لتنفيذ ركلة المرمى، (4) فترات تبديل، و(2) طلب استراحة مياه، و(4) احتفالات بالأهداف وتنفيذ الكرة من بعدها. البطاقات التي أشهرها الحكم مُحتسبة في فترة توقّف اللعب بعد الأخطاء، فيما لم يكن هناك توقّفات استثنائية تُذكر.
المباراة التي جمعت اثنين من نخبة الفرق في لبنان، من المفترض أنها تعكس شكل البطولة المحليّة. صحيحٌ أن هذه المباراة نهائية، والحسابات تختلف لو أن المواجهة كانت في الأسبوع السادس مثلاً، لكنها تبقى معبّرة عن نسق اللعب في الدوري في أفضل حالاته. مشاركة لاعبين بعمر الأربعين بشكلٍ أساسي مع بعض الفرق في الموسم الماضي، مثالٌ أيضاً عن النسق البطيء، خاصةً في ظل غياب الأجانب، لكنّ ثمّة عوامل أخرى تساهم بإخراج المباراة، أبرزها توقّف اللعب. هذا الأمر يُسبب إفساداً للمتعة بالنسبة إلى المشاهدين، إذا لم تستمر الكرة بالتحرّك لفترةٍ طويلةٍ نسبياً.

للحكّام دورٌ أيضاً
في السوبر اللبناني وعند الدقيقة الـ 58.39، وصلت الكرة إلى جناح النجمة خليل بدر، صانع الهدف الثاني لفريقه. التمريرة ما قبل الأخيرة، جاءت من حسن العنان، الذي ارتُكب عليه خطأ من حسن قعفراني، لكن الحكم لم يحتسبه، سامحاً لبدر غير المراقَب باستكمال اللعب، ليمرر الكرة إلى خالد تكه جي، ويُسجّل الهدف. قرار الحكم علي رضا كان صائباً، لكنه في المقابل، أوقف اللعب خمس مرات، في حين كان قادراً على منح أفضلية استمرار اللعب. في جميع هذه المناسبات، وصلت الكرة إلى لاعبٍ زميل، وكان يمكنه أن يستكمل اللعب بطريقةٍ طبيعية. تكه جي أبدى انزعاجه في الشوط الأوّل حين أطلق الحكم صافرته محتسباً خطأً للنجمة، لكن اللاعب تسلّم الكرة من زميله الذي ارتُكب الخطأ عليه، وكان في طريقه إلى قيادة هجمة، ولو أنه في منتصف ملعب الأنصار.
للحكّام دورٌ مهمٌّ في توقيت اللعب الفعلي. عادةً، يأتي القرار من لجنة الحكّام بطريقة احتساب الأخطاء، بحسب الخشونة ومكان الخطأ وتأثيره... ويُترك التقدير للحكم. ويبدو ملاحظاً احتساب الحكام اللبنانيين الأخطاء لدى معظم الاحتكاكات، غالباً بسبب وقوع اللاعبين أرضاً مطالبين بالخطأ، ولو كان غير مؤثّر، وهذا يعود إلى عامل اللياقة البدنية لدى اللاعبين، الذين يفضّلون أن يبقى نسق اللعب منخفضاً.
الحكّام قادرون على ضبط السلوك في الملعب أيضاً، سواءً من قِبل اللاعبين أو المدربين والإداريين، وهو أمر يُساهم في تحديد الوقت الفعلي للمباراة.



لا تغيير دولياً لوقت اللعب


في تموز/يوليو الماضي، كشفت تقارير صحافية نيّة الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» إدخال تغييرات جذرية على اللعبة، بينها تقسيم وقت المباراة إلى شوطين مدة كل منهما 30 دقيقة، وإيقاف المباراة عند كل توقف لأي سبب، على غرار الرياضات الأخرى مثل كرة السلة أو كرة الصالات. الاتحاد نفى وجود نيّة في الوقت الحالي لتجربة أي تغييرات، وأنّه لم يناقشها داخل مجالسه. فعلياً، يبدو صعباً إدخال مثل هذا التغيير إلى اللعبة. الأندية قد ترفض، والجمهور أيضاً، واللاعبون بطبيعة الحال. يحتاج الأمر إلى سنوات لتحقيق تعديلات جذرية، كالمتعلّقة بالتسلّل مثلاً. ثمّة من يعتبر أن إضاعة الوقت بهذه الطريقة، ولو كانت غير متعمّدة، من أساسيات اللعبة. الأخطاء التحكيمية كانت هكذا أيضاً، لكنّها تتقلّص مع دخول تقنية الفيديو المساعد، التي نالت حصّتها من الانتقاد، لكنّها كانت فعّالة وعادلة. عموماً، الحلول كثيرة لتسريع نسق اللعب ورفع عدد دقائق اللعب الفعلي، شرط التعاون بين اللاعبين والأندية والاتحادات والحكّام.


مقارنة مع دورياتٍ أخرى


تقريرٌ لشركة «أوبتا» للإحصاءات، كشَف أن معدّل اللعب الفعلي في أول 17 جولة من الدوري السعودي لموسم 2020-2021، بلَغ 53 دقيقة، وأطول مدة لعب متواصل كانت خمس دقائق، وهو أمرٌ حدث في أربع مباريات. ووصل توقّف اللعب في مباراة واحدة إلى 128 مرة، مقابل 74 مرة كأقل رقم.
رابطة المحترفين الإماراتية لكرة القدم، كشَفت بدورها عن معدّل اللعب الفعلي بعد أول خمس جولاتٍ في موسم 2020-2021، الذي بلغ 49.46 دقيقة.
لا تختلف هذه الأرقام كثيراً عن بعض الدوريات الأوروبية. قد تبدو صادمةً الإحصاءات الصادرة عن شركة «Instat»، وأعدّتها «CIES». فمعدّل اللعب الفعلي في الدوري البرتغالي مثلاً، بلَغ 50.9 دقيقة، وهو الأدنى في ترتيب 20 بطولة أوروبية خلال الأشهر الأربعة الأولى من موسم 2017-2018. الدوري السويدي حلَّ في الصدارة، بمعدّل لعب فعلي بلغ 60.4 دقيقة، مقابل 60.2 دقيقة في دوري أبطال أوروبا، و56.5 دقيقة في الدوري الإنكليزي الممتاز.