مشهدان متناقضان يوم أمس في أوروبا، الأول في إسبانيا صباحاً، والثاني في باريس في فترة بعد الظهر.

المشهد الأول كان حزيناً. رافعة كبيرة أمام النادي الكاتالوني تزيل صورة عملاقة للنجم الأرجنتيني ليونيل ميسي من بين صور نجوم الفريق. مشهدٌ قضى على خيط الأمل الأخير لدى محبي «البارسا» الذين كان لا يزال لديهم إيمان بأن ملهمهم لن يتركهم، وإدارة النادي لن تتركه، والكرة الإسبانية لن تعيش على ذكريات أمجاده وأهدافه. هو أملٌ بقي قائماً وتعزّز وسط أنباء انتشرت عن عرضٍ إنقاذي من برشلونة لإبقاء قائده لموسمٍ إضافي على الأقل. لكن هذه الأنباء تبخّرت بسرعة وسقطت في سلة الأخبار الكاذبة والمضلّلة بمجرد نزع صورة «ليو» من معقل النادي.

بمجرد إطلالته الأولى في باريس أطلق ميسي أحلاماً كثيرة عند محبّي باريس سان جيرمان (أ ف ب )

أما المشهد الثاني، فقد محا كل الصور والمشاهد والتخيّلات والأحلام، وأطلق حلماً باريسياً طال انتظاره عندما أطلّ ميسي من شرفةٍ على علوّ منخفض مرتدياً قميصاً أبيض يحمل الشعار الشهير «هنا باريس»، ليصاب كل من حضر بالجنون في مشهدٍ تقشعر له الأبدان، وهو الذي انتظره الصحافيون في محيط المطار ومحيط النادي الباريسي لأيامٍ عدة.
وجود ميسي في فرنسا يتخطّى بأهميّته فوز البلاد بلقب كأس العالم


إذاً، هنا باريس، هنا مدينة ميسي التي لم تعد بعد اليوم مدينة الفرنسيين وحدهم، بل إن «الأيقونة» الأرجنتينية سيحتلها سريعاً. من برج إيفل الى جادة الشانزيليزيه وكل مكان تاريخي سيظهر وجه ميسي على المارين والزائرين، وستصبح حديقة الأمراء (نسبةً الى ملعب «بارك دي برانس» الخاص بسان جيرمان) حديقة «الملك ميسي» وحده، وسيصبح هذا الملعب بأهمية متحف اللوفر وقصر فرساي وكل تلك الأماكن السياحية التاريخية التي يتقاطر السياح من حول العالم للعودة بذكرى أبدية منها.
هناك في برشلونة ترك ميسي ذكريات كثيرة، وهنا في باريس يرسم الجمهور صوراً حالمة لأفضل لاعبٍ في تاريخ الكرة بنظر الكثيرين. ها هو ميسي يدخل الى أرضية الميدان مرتدياً القميص الأزرق حيث لا يهم الرقم على ظهره لأن كل الأرقام تليق به كون هو من يصنعها (ارتدى سابقاً مع برشلونة الرقم 30 ثم الرقم 19). وها هو يمرّر الى البرازيلي نيمار ومنه الى النجم الفرنسي كيليان مبابي، لتعود الكرة الى الأرجنتيني فتهتز الشباك ويحتفل مع «عدوه» السابق الإسباني سيرجيو راموس والهولندي جورجينيو فينالدوم والمغربي أشرف حكيمي والحارس الإيطالي جانلويجي دوناروما. هذه الأسماء الكبيرة كتب من خلالها الـ PSG «ميركاتو» يصعب رسمه في «الفانتازي»، ليرسم هالة بطولية حوله قبل دخول ميدان المعركة الأهم بالنسبة إليه وهي معركة دوري أبطال أوروبا، التي لا تزال عصيّةً على الفريق الفرنسي والساعي إلى الفوز بها، والتي لأجلها دفع الغالي والنفيس لاستقدام نجومٍ عالميين كبار.

مستوى الأدرينالين وصل الى أعلى مستوياته في باريس


هناك في باريس الفرحة والدهشة والضجة ليست حصرية، فذاك الدوري الذي أطلق البعض عليه لقب «دوري الفلاحين» سيعيش على غيمة ميسي الذي سيخضع الجميع لتجربةٍ جديدة. لاعبون ومدربون ومشجعون للفرق الخصوم ستنتظر إطلالته في ملاعبها، ومعه ستتجه الأنظار الى «الليغ 1» الذي بقي في ظل البطولات الأوروبية الوطنية الأخرى لسنواتٍ طويلة رغم النتائج الجيّدة المتقطعة للأندية الفرنسية أوروبياً، ورغم قدوم نجومٍ كثر إليه تباعاً.

مستوى الأدرينالين وصل الى أعلى مستوياته في باريس


يا لها من لحظةٍ تاريخية على مستوى عالم الكرة. لحظةٌ تؤكد المؤكد وهو أن الحُكم في هذا العالم هو للمال المُرفق بالتخطيط الجيّد، إذ ليست مصادفة أبداً أن يتمكن باريس سان جيرمان من إقناع ميسي بالانتقال الى الدوري الفرنسي دون سواه من خلال دفع مبلغٍ كبير له، فلاعب بحجم الأرجنتيني يفكّر بمسيرته وبقيمته الكروية أيضاً قبل أي خطوةٍ من هذا النوع، وهي خطوةٌ بلا شك كانت صعبة على ميسي لأنها كانت الأولى له في سوق الانتقالات التي لم يقف فيها يوماً بفعل ارتباطه منذ الصغر ببرشلونة.
ببساطة، مستوى الأدرينالين وصل الى أعلى مستوياته في باريس، ومستوى فريق العاصمة الفرنسية ارتفع حتى قبل أن تطأ قدما «ليو» ملعب الفريق، ومستوى الدوري الفرنسي أصبح في مكانٍ آخر قبل زيارته لأي ملعبٍ في البلاد.
هذه البلاد التي تتغنّى بأنها أرض أبطال العالم، وبأنها دأبت على تخريج المواهب الرائعة في عالم الكرة. هذه البلاد لديها أهم من كل المذكور سلفاً: أفضل لاعبٍ في التاريخ سيتنقّل بين مدنها وسيزور ملاعبها وسيتنفس هواءها وسيعطيها من موهبته التي لم تشهد مثلها يوماً.