لا يمكن اعتبار تألق أحمد زريق مع الوحدات الأردني في دوري أبطال آسيا لكرة القدم، أو بروز اسم قاسم الزين مع النصر في الدوري الكويتي، مجرد صدفة.

هناك في بلاد الاحتراف يعيش اللاعبان كغيرهم من أبناء جيلهم الذين هجروا ملاعبنا، حياةً احترافية بكل ما للكلمة من معنى. حياةٌ شكك البعض في امكانية قدرة اللاعب اللبناني على الالتقاء مع متطلباتها، لكن نجاح مجموعة لا يُستهان بها من لاعبينا في الخارج ترك قناعةً بأنه يمكن لأي لاعبٍ محلي تقديم أفضل مما يقدّمه في لبنان في حال توفّرت له إمكانات محددة لاخراج افضل ما عنده.
جلسةٌ خاصة مع بعض اللاعبين الذين ينشطون في الدوري اللبناني توقفوا فيها عند تألق زريق وبروز حسن «سوني» سعد مع الوحدات، ومواصلة قاسم الزين اثبات قدراته في الدوري الكويتي. هنا في كلام هؤلاء تشعر بالحسرة والخيبة في آنٍ معاً وبألمٍ دفين يعكس مشقات الحياة الكروية في لبنان التي يعيشها اللاعب منذ نعومة أظفاره بهدف الوصول الى دوري الاضواء. لكن هناك ايضاً في الدرجة الأولى ليس الوضع شبيهاً بـ«أكلة العسل» على حدّ ما يقول احدهم، فالرواتب التي كانت بسيطة بالنسبة الى الغالبية الساحقة أصبحت بلا قيمة عملياً مع ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق وغلاء المعيشة الفاحش. أضف أحياناً أن أي مكافأة يحصل عليها اللاعب يشعر عند تسلّمها وكأنها حسنة أو تبرّع من هذا الإداري أو ذاك، فيذهب الأخير إلى استغلال خطوته لتسويق نفسه إعلامياً، ليشعر اللاعب أنه سلعة تمّ استغلالها في مكانٍ ما.
أما الشكوى فهي «إلى الله حصراً» بحسب ما يقول احدهم ضارباً المثل بوضعه عند تعرّضه للإصابة، حيث أُهمل من قبل ناديه وحُرم من راتبه لأشهرٍ عدة ولم يحصل على مستحقاته حتى تأكّد النادي من إمكانية عودته. هنا يعطي هذا اللاعب مثلاً عن وضع المدافع الايفواري لمانشستر يونايتد الانكليزي إيريك بايلي الذي مدّد عقده حديثاً مع «الشياطين الحمر» رغم غيابه لفتراتٍ طويلة خلال الموسم بسبب الإصابة التي ستبعده لفترة 6 أشهر اضافية، لكنه رغم ذلك وقّع حديثاً على تمديد عقده حتى عام 2024 مع سنةٍ قابلة للتجديد، مع الحصول على مستحقاته المالية!
وتلعب الانسانية دورها في هذا الاطار، إضافةً الى شعور اللاعب بأنه صاحب قيمة بالنسبة إلى المتعاطين في اللعبة لا مجرد «كومبارس» لإكمال الدورة الكروية التي لا تتحرك من دونه. وفي هذه الحالة يُخلق شعورٌ عند اللاعب يدفعه الى تقديم كل ما يملكه من موهبة فيرتقي بالتالي إلى مستوى التحدي ومستوى الاحتراف والمطلوب منه في العالم الخارجي.

يتألق اللاعبون اللبنانيون في الخارج بسبب تأمين الإمكانات المطلوبة ووسائل الراحة لهم


لذا يبدو واضحاً أن لاعبينا المتألقين في الخارج شعروا بأهميتهم، فانعكس هذا الامر عليهم إيجاباً، ليفجروا مواهبهم بالتالي على أرض الملعب ويبهروا المتابعين، تماماً كما فعل زريق الذي ومنذ مباراته الاولى في دوري أبطال آسيا سجّل اعلى العلامات التقييمية، قبل أن يكمل جهوده الجبارة بتسجيله هدفاً وتمريره آخر في لقاء الوحدات مع النصر السعودي.
تألق زريق يعيدنا الى تلك الايام التي كان يلعب خلالها فريقه العهد بشكلٍ افضل خارج ارضه مقارنةً بما يقدّمه على ارضه، وذلك بسبب ارضية الملاعب في الخارج التي كانت احد الاسباب التي سمحت للاعبيه بتقديم أداء افضل ضمن مساحة صالحة تسمح لهم باستعراض مهاراتهم وإمكاناتهم. وتضاف الى هذه النقطة الراحة النفسية التي يعيشها اللاعب اللبناني اذا اختار طبعاً المكان المناسب لخوض مشوارٍ احترافي، إذ يحصل على كل ما يلزمه من وسائل راحة للعب الكرة وتقديم الاضافة الايجابية الى فريقه.
هذا الاستعراض يعكس كلام لاعبٍ دولي سابق احترف في شرق القارة وفي الخليج العربي أيضاً، إذ قال إن أي لاعب يستطيع الاحتراف سيتمكن من إحياء حلم بلوغ مرتبة عالية في اللعبة، مشيراً الى لاعب وسط فريق الأنصار عباس عطوي «أونيكا» الذي لو خرج للاحتراف الى اوروبا في الوقت المناسب، لتمكن من تقديم نفسه كنجمٍ مع أحد الفرق المعروفة بالنظر الى موهبته الاستثنائية وقدراته الفنية الرهيبة التي تمتع بها في سنٍّ صغيرة، أقله بالنسبة الى لاعبٍ من عمره.
تألق اي لاعبٍ لبناني في الخارج هو خبر ممتاز بلا شك، لكنه أيضاً يحزن في بعض الاحيان لأنه يذكّر اللاعب اللبناني بواقعه المرير. واقعٌ قد لا يتحمل مسؤوليته اتحاد اللعبة أو الأندية أو إدارييها، بل بالدرجة الاولى البلد بشكلٍ كامل، من قطاعه الخاص الى قطاعه العام ووصولاً الى الدولة التي لم تعرف يوماً القيمة الفعلية للشريحة الشابة التي تخرج أحلامها المدفونة من تحت التراب في اول فرصةٍ متاحة امامها لمنحها الحياة مجدداً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا