في سوق الصحافة الرياضيّة الأوروبية، تتسابق الصحف للحصول على «سكوب» مفاوضات بين نادٍ ما ولاعبٍ من نادٍ آخر، أو حسم صفقة انتقال. ثمّة صحافة متخصصة بهذا الشأن، ومواقع وصحف إخبارية موثوقة، يُلجأ إليها لمعرفة الجديد.


أن تحصل إحدى الصحف على خبر لقاءٍ بين وكيل أعمال النرويجي إيرلنغ هالاند، لاعب بروسيا دورتموند الألماني، وإدارة برشلونة، أو ريال مدريد، فهذا أمرٌ مهم، لأنّه غالباً، يتم بسرّية، خاصةً أن عقد اللاعب يمتد إلى 2024. لكن أن يظهر والد هالاند ووكيل أعماله، بشكلٍ صريح، في برشلونة ومدريد، ثم في إنكلترا، وتكون الاجتماعات شبه علنيّة مع الأندية، فهذا فعلٌ لا يقوم به إلّا مينو رايولا، أحد أقوى رجال الأعمال في كرة القدم، ومن المتحكّمين بمفاصل اللعبة، والهدف واحد؛ فتح مزادٍ يضمن له أعلى عمولة مُمكنة. هو وأمثاله خرجوا من الكواليس لتصدّر المشهد الكرويّ، وتشكيل قوّة مؤثّرة على الأندية والدوريّات.


عشرات الملايين للاعبين، ومثلها لوكلاء أعمالهم
272 مليون يورو. هذا هو الرقم الذي دفعته أندية «بريميرليغ» لوكلاء اللاعبين عام 2021، وفقاً للاتحاد الإنكليزي لكرة القدم. الرقم كان قد انخفض في العام الماضي بسبب الأزمة المالية التي لحقت بالأندية، جراء توقّف الدوريات عقب انتشار فيروس «كورونا». لكن مجموع ما دفعته الأندية خلال سنتين (2018-2020) بلغ 323 مليوناً، وفقاً للاتحاد الدولي للعبة. أي إن هذه الأندية دفعت 595 مليوناً لوكلاء اللاعبين خلال ثلاث سنوات. الأندية الإنكليزية هي الأكثر نشاطاً في سوق الانتقالات دائماً، ومعها أندية أخرى من الدوريات الخمسة الكبرى، التي دفعت خلال ست سنوات (2014-2020)، نحو 70% ممّا حصل عليه الوكلاء من الصفقات التي أُبرمت في العالم.

وفقاً للاتحاد الدولي، فإن عمولة وكلاء اللاعبين عام 2014 وصلت إلى 180 مليون يورو في العالم. هذا الرقم أصبح ثلاث مراتٍ أكبر عام 2019 (580 مليون يورو)، قبل أن يتراجع إلى 449 مليون يورو، بسبب قلّة الصفقات الكبيرة التي عقدتها الأندية خلال الأزمة المالية.

إيرلنغ هالاند


وإذا كانت الأندية الإنكليزية تصرف الأموال بشكلٍ هائلٍ لوكلاء اللاعبين، فإن أندية إيطاليا تحذو حذوها أيضاً. وفقاً لـ«فيفا»، دفعت أندية الـ«سيري أ» 307 ملايين يورو من عام 2018 حتّى 2020، أي نحو ضعفي ما دفعته الأندية الفرنسية (105)، وأكثر من الأندية الألمانية (180 مليون يورو) وإسبانيا (127).
في تلك الفترة انضم كريستيانو رونالدو إلى يوفنتوس، ومعه جواو كانسيلو ودوغلاس كوستا وليوناردو بونوتشي وماتياس دي ليخت، فيما انتقل لاوتارو مارتينيز وراجا ناينغولان وروميلو لوكاكاو كريستيان إريكسن إلى إنتر ميلان، فابيان رويز إلى نابولي، جورجينيو من الأخير إلى تشلسي، أليسون من روما إلى ليفربول، إبراهيموفيتش إلى ميلان… هذه الصفقات وغيرها يستفيد منها وكلاء اللاعبين، الذين يحاولون الحصول على أكبر نسبة من الأرباح.

موقف الأندية: نرفض ونشجّع
حين انتقل الفرنسي بول بوغبا من يوفنتوس إلى مانشستر يونايتد مقابل 105 ملايين يورو، تقاضى وكيل أعماله مينو رايولا 27 مليون يورو، في صفقةٍ قياسيةٍ بالنسبة إلى وكيل أعمال لاعب. يونايتد دفع هذا المبلغ، وبطبيعة الحال، إدارة النادي لم تكن سعيدة بدفع الملايين لوكيل أعمال، لن يشارك في المباريات إذا أصيب اللاعب مثلاً. لكن يوفنتوس في المقلب الآخر كان سعيداً. رايولا ساهم برفع قيمة لاعبه، ما يعني أن النادي الإيطالي حصل على أكبر مبلغ ممكن من هذه الصفقة.

خورخي مينديس


لنعُد إلى المقدّمة. لمَ يقيم رايولا اجتماعات شبه علنية مع الأندية لانتقال لاعب بروسيا دورتموند هالاند إلى نادٍ جديد؟ الهدف واحد؛ رفع قيمة اللاعب الذي تتنافس على خدماته أقوى الأندية في العالم. دورتموند لا يتمنّى رحيل لاعبه، خاصةً بهذه الطريقة، لكن هل فعلاً إدارة النادي منزعجة ممّا يحصل؟ لا. ما يفعله رايولا يُفيد دورتموند. النادي الألماني تعاقد مع هالاند مقابل 20 مليون يورو قادماً من سالزبورغ النمساوي، في حين حصل رايولا على 15 مليوناً، أي أقل بخمسة ملايين فقط من قيمة الصفقة. اليوم، تطالب الإدارة بمبلغ 180 مليون يورو للتخلّي عن اللاعب، ورايولا يحاول أن يسوّق لإتمام هذه الصفقة. هكذا، يكون دورتموند قد حقق أموالاً طائلة خلال سنتين، ولو أنّه سيخسر أحد أفضل المهاجمين في العالم. لكن لنكن واقعيين، هل ينافس دورتموند على لقب دوري الأبطال؟ هو لا ينافس للفوز بلقب الدوري الألماني حتّى، وبالتالي، هو نادٍ يعيش على التجارة.

الأندية التي تتعاقد مع اللاعبين تدفع ملايين الدولارات لوكلاء اللاعبين. لكن، في المقابل، تحصل على عشرات الملايين، حين ينجح وكيل اللاعب بالتسويق ونقل لاعبه من نادٍ إلى آخر مقابل مبالغ كبيرة. وبالتالي، فإن الأندية شبه راضية عمّا يحصل. هذا لا يعني أن الأندية لا تدفع للوكلاء بعد إتمام عمليات بيع اللاعبين، لكن الحصّة تكون أقل ممّا يدفعه النادي المشتري.
ربما، لو تمكّنت من بيع عقود اللاعبين بأسعارٍ كبيرة، وشراء لاعبين آخرين، دون دفع الملايين للوكلاء، ستكون مرتاحةً أكثر، لكن حتّى تنتهي المعركة بين الاتحاد الدولي للعبة والوكلاء، ستبقى الأمور تسير بالطريقة عينها.

معركة بين «فيفا» والوكلاء
عودة إلى مينو رايولا. وكيل الأعمال الإيطالي هو الأقوى في هذا المجال، وبالنسبة إلى معظم الأندية، هو الأكثر إزعاجاً أيضاً. لاعبوه من الأبرز في الساحة الكرويّة، أمثال إيرلنغ هالاند، وماتياس دي ليخت، وبول بوغبا، وجيانلويجي دوناروما، وزلاتان إبراهيموفيتش وغيرهم الكثير. ليست الأندية وحدها من تحمل ضغينةً ضدّه، بل الاتحاد الدولي للعبة أيضاً. «فيفا» بدأ بدراسة إصدار لوائح جديدة لتنظيم العلاقة بين الوكلاء واللاعبين والأندية، لتحديد سقف للعمولة، ونشر الأموال التي يتقاضاها وكيل الأعمال من كل صفقة تمر عبره.

هذه القوانين لا تُعجب رايولا ورفاقه بطبيعة الحال. «فيفا يريد الحفاظ على هيمنته وأن يكون لديه مصرف خاص وتنظيم كل ما يتعلّق باللعبة، وصرف الانتباه عن التجاوزات التي يقوم بها، ولذلك يريد محاربتنا. فيفا يريد امتلاك القوّة، وأنا لا أعترف بسلطته»، يقول رايولا خلال منتدى لوكلاء اللاعبين عام 2020.

مينو رايولا


اللوائح الجديدة التي يضعها الاتحاد الدولي، التي تدخل حيز التنفيذ في كانون الثاني 2022، ستُجبر على الحصول على رخص والخضوع لاختبارات يجريها «الفيفا»، بالإضافة إلى الإعلان عن العمولات، وهو ما سيسمح للجماهير بمعرفة نسب الوكلاء في الصفقات. وسيُمنع الوكلاء من أن تكون لهم مصالح مباشرة أو غير مباشرة في أي فريق لكرة القدم أو اتحاد أو أي هيئة لكرة القدم.

غيلينغهام: لا سلطة لوكلاء اللاعبين هنا
الفكرة الأساسية هي أن أندية إنكلترا هي مصدر الربح الأكبر بالنسبة إلى وكلاء اللاعبين. الأندية تحصل على عائدات مالية كبيرة من النقل التلفزيوني وتذاكر المباريات والإعلانات وغيرها من المصادر، وبالتالي تتعاقد مع أبرز اللاعبين للحفاظ على صدارة الدوري من حيث المتعة على الأقل، وهؤلاء لا يوفّرهم سوى بعض أبرز وكلاء اللاعبين في أوروبا. وفي حين دفعت الأندية الإنكليزية نحو مليار جنيه استرليني خلال السنوات الأربع الماضية لوكلاء اللاعبين، فإن نادي غيلينغهام تمنّع عن دفع أيّ فلسٍ لهم عام 2020. «لا أحب الوكلاء ولا تعجبني طريقة إدارتهم الأمور. نجحنا في إدارة اللعبة قبل وجودهم وكان العالم أفضل دونهم»، يقول بول سكالي، رئيس النادي الذي يلعب في «ليغ وان» (الدرجة الثالثة في سلّم ترتيب الدوريات الإنكليزية).

فكرة سكالي مبنيّة على التواصل مع أهالي اللاعبين بشكلٍ مباشر، وإقناعهم بانتقال أولادهم إلى النادي، مقابل دفع المرتّبات فقط. هكذا كانت تجري الأمور قبل الستينيات. لكن، في هذا العالم، لا بد من تكيّف رؤساء الأندية والإداريين مع الواقع، وهذا يعني أن غيلينغهام مُجبرٌ على دفع الأموال للوكلاء، طالما هناك لاعب معيّن لديه وكيلٌ خاصٌّ به. سكالي يعترف أن ناديه يدفع للوكلاء، لكنّه يحاول الحد من سلطتهم، والتعاقد مع اللاعبين الذين لا وكلاء لهم. بالنسبة إليه، هذه الأموال للنادي والموظّفين واللاعبين والأجهزة الفنيّة، وليست لطرفٍ ثالث.