قد يكون من الصعب تخيّل رؤية لاعبٍ في برشلونة يرتدي القميص الرقم 10 بعد انتهاء مشوار الأرجنتيني ليونيل ميسي مع النادي الكاتالوني. هي فعلاً مسؤولية ثقيلة ستُلقى على كاهل من سيتجرأ على طلب هذا القميص أو لن يمانع حمله بعد ميسي، إذ بكل بساطة الرقم 10 في «البرسا» بات يشرّف أي لاعب مهما كان حجمه، فقبل أفضل لاعب في تاريخ «البلاوغرانا» أي ميسي حمل الرقم نفسه الأرجنتيني الآخر دييغو أرماندو مارادونا، والبرازيليان ريفالدو ورونالدينيو.

طبعاً سيأتي يوم ويسلّم ميسي الأمانة الى لاعبٍ آخر، لكن رقم قميصه سيكون مرادفاً لاسمه الى الأبد، وفي كل مرّة سيتحدث فيها معلّق ما عن لاعبٍ يدخل الى الملعب وهو يحمل ألوان برشلونة ومرتدياً الرقم التاريخي. هو أمر حصل لفترةٍ طويلة بعد حقبة الهولندي الراحل يوهان كرويف الذي يمكن القول بأنه صنع رقماً شهيراً للاعبي الكرة، فهو لم يختر أياً من الارقام الكلاسيكية مثل الرقم 7 أو 9 أو 10 التي ارتبطت غالباً بأبرز نجوم اللعبة عبر التاريخ، بل فضّل الرقم 14 (ارتدى الرقم 9 فقط عندما أُلزم به بحسب القوانين القديمة) الذي بات منحه لأي لاعب بمثابة تقديرٍ كبير. فعلاً هذا ما شعر به البرازيلي كوتينيو الذي كان آخر من ارتدى هذا الرقم رغم أنه فضّل دائماً الرقم 10، وقبله الأرجنتيني خافيير ماسكيرانو، وقبلهما الفرنسي تييري هنري الذي حصد النجومية مع آرسنال بالقميص الرقم 14، بينما مُنح القميص الرقم 12 للمنتخب الفرنسي.

اللاعب هو من يصنع أهمية الرقم لا الرقم هو من يصنع أهمية اللاعب


ومسألة التقدير وتشريف اللاعب بقميص سلف تاريخي بدأت تظهر هذا الصيف بشكلٍ جليّ، وهناك أكثر من مثل حول هذه المقولة، منها في بايرن ميونيخ الألماني، إذ قبل وصول كوتينيو إليه معاراً في الموسم الماضي اتصل النادي بنجمه السابق الهولندي أريين روبن لاستئذانه في خطوة منح الرقم 10 الى البرازيلي على اعتبار أنه لا يمكن لأيٍّ كان أن يستحقه بعدما لمع روبن بشكلٍ رائع خلال ارتدائه له طوال مسيرته مع الفريق البافاري. وهذا الرقم سينتقل الى نجمٍ جديد في صفوف بطل أوروبا، وهو لوروي سانيه الذي يصوّره بايرن نجم المستقبل الأوحد. كما سلك بطل «البوندسليغا» الطريق نفسه عندما كافأ حديثاً نجمه الآخر سيرج غنابري على موسمين رائعين قدّمهما معه بمنحه القميص الرقم 7، والذي سيرتديه ابتداءً من الموسم المقبل، وذلك بعدما غاب هذا الرقم عن تشكيلة «هوليوود الكرة الألمانية» منذ رحيل نجمه السابق الفرنسي فرانك ريبيري عنه بالتزامن مع مغادرة روبن للنادي.
إذاً هي مرحلة جديدة في بايرن تشير الى أن النادي وجد من يستحق خلافة اثنين من أساطيره، وبالتالي حمّلهما مسؤولية كبيرة لملء هذا القميص أو ذاك بعدما تحوّل الرقمان 7 و10 الى رقمين ملازمين للنجوم الكبار فقط لا غير.
وبعيداً عن بايرن كان مانشستر يونايتد الإنكليزي يسير على النهج نفسه برفع مستوى التحدي لدى نجمٍ صاعد هو مايسون غرينوود الذي سيرتدي القميص الرقم 11 في الموسم المقبل، والذي عند ذكره يتبادر الى الأذهان فوراً اسم أحد أساطير النادي أي الويلزي راين غيغز.
يونايتد يرى اليوم أن غرينوود يستحقها فهو كما غيغز تخرّج من أكاديمية النادي وشقّ طريقه بسرعة نحو التشكيلة الأساسية وتمّ استدعاؤه أخيراً الى منتخب إنكلترا.
عموماً مسألة الأرقام حساسة جداً في هذا النادي، وتحديداً القميص الرقم 7 الذي خلّده نجوم رائعون مثل الأيرلندي الشمالي الراحل جورج بست، «الملك» الفرنسي إيريك كانتونا، قائد المنتخب الإنكليزي السابق ديفيد بيكام، والنجم البرتغالي كريستيانو رونالدو. لذا فإن أي لاعبٍ ارتدى هذا الرقم نظر إليه جمهور «الشياطين الحمر» نظرة المطلوب منه تقديم الكثير، وهو أمر لم يفعله من خَلف النجوم المذكورين، أمثال الهولندي ممفيس ديباي، الإكوادوري لويس أنطونيو فالنسيا، الأرجنتيني أنخيل دي ماريا، وطبعاً التشيلياني أليكسيس سانشيز.
ومما لا شك فيه أن أي نجمٍ قادمٍ الى «أولد ترافورد» يحلم بتقديم نفسه بالقميص الرقم 7، تماماً كما هو الحال في آرسنال، إذ قبل الغابوني بيار - إيميريك أوباميانغ لم يستحق أحد خلافة هنري بالقميص الرقم 14، والذي طلبه ثيو والكوت فور مغادرة الفرنسي الى برشلونة، لكن الواقع أن الرقم لم يحوّله الى أسطورة على صورة «تيتي» الذي يعدّ الهداف التاريخي للنادي اللندني.


بطبيعة الحال اللاعب هو من يصنع أهمية الرقم لا الرقم هو من يصنع أهمية اللاعب. الأمر ثبُت في ريال مدريد مع القميص الرقم 7 الذي حمله راوول غونزاليس ومن ثم رونالدو، وقد مُنح للبلجيكي إيدين هازار العام الماضي للتأكيد على أنه النجم الأهم في الفريق. واللافت أن الرقم انتُزع من ماريانو دياز الذي ومع عودته من ليون لم يثبت نفسه أنه يستحق أن يخلف الـ «سي آر 7» وأن يكون الهداف الأهم في الفريق الملكي.
ومن الأرقام التي تبدو أسطورية على قمصان الفرق هو الرقم 9 في ميلان، الذي مرّ عليه اثنان من حاملي الكرة الذهبية هما الهولندي ماركو فان باستن والليبيري جورج وياه، وأسماء أخرى مميزة أمثال الفرنسي جان - بيار بابان والهولندي الآخر باتريك كلايفرت وطبعاً فيليبو إينزاغي الذي يُعتبر آخر المميزين الذين شرّفوا هذا القميص. أما اليوم وبعد مرور 8 أعوام على اعتزال «بيبو» فإن أحداً لم يرتقِ الى مستوى من التصق جسده بالقميص المذكور، إذ عرف وجوهاً مخيّبة أمثال اليساندرو ماتري، ماتيا ديسترو، البرازيلي لويز أدريانو، الأرجنتيني غونزالو هيغواين والبرتغالي أندريه سيلفا وغيرهم.
إذاً المسألة أصبحت مبدأ، فالأندية ومن باب مشاريعها التسويقية لم تعد تمنح الرقم المهم الى أيٍّ كان، فمن يستحقه يجب أن يرتقي الى مستوى الأساطير لأن الجمهور لن يرحمه، كونه يرى دائماً في قميص النجم السابق طيفه اللامع ويحنّ الى أيامه وينتظر من خليفته أن يسير على دربه فقط لا غير.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا