يعيش برشلونة أحد أسوأ أيامه في تاريخه الحديث. عرف النادي موسماً مخيّباً خسر خلاله الدوري لمصلحة غريمه الأزلي ريال مدريد، كما خرج من دوري أبطال أوروبا أمام بايرن ميونيخ بعد أن خسر (8-2) في دور ربع النهائي، لتتم إقالة المدرب كيكي سيتيين وتعيين المدرب الهولندي رونالد كومان على رأس العارضة الفنية للفريق. لم يكن هذا التغيير «الشكلي» كافياً في نظر قائد برشلونة ليونيل ميسي، الذي قرر الرحيل وعدم خوض غمار الموسم المقبل رفقة النادي الكاتالوني الذي أمضى معه 20 عاماً.

بدأ «الكابوس» عندما كشف الصحافي الشهير مارسيلو بيلشر عن إرسال ميسي «فاكس» رسمياً إلى إدارة برشلونة يعبّر خلاله عن رغبته في تفعيل البند المنصوص عليه في عقده، والذي يعطيه بموجبه الحق في الرحيل مجاناً مع نهاية الموسم، لترد إدارة النادي على رسالة ميسي بفاكس آخر، طلبت خلاله استمرار اللاعب مع النادي أو الرحيل بعد دفع الشرط الجزائي البالغ 700 مليون يورو.
وبعد انتشار الخبر في الأوساط الرياضية، أعلن خوسيه ماريا بارتوميو، رئيس برشلونة، عن عدم رغبة النادي في بيع ميسي بعد طلبه الرحيل، حيث يُعتبر اللاعب الأرجنتيني ركيزة أساسية في المشروع الجديد للمدير الفني الهولندي رونالد كومان، مشيراً إلى أن رحيله قد يتم فقط عبر دفع قيمة الشرط الجزائي.

رحيل ميسي سيوفر على إدارة برشلونة عشرات ملايين الدولارات كل موسم


تختلف وجهات النظر بين اللاعب والإدارة على شرط التسريح. ما هو أكيد، امتلاك ميسي بنداً في عقده يتيح له الرحيل بالمجان مع نهاية مايو/أيار أو بداية يونيو/حزيران، وهي الفترة التي كانت من المقرر أن ينتهي بها الموسم لولا تداعيات فيروس كورونا.
في هذا الصدد، يدعم ميسي موقفه بأن الموسم الحالي شهد ظروفاً استثنائية تسببت في تأخير انتهائه لمنتصف شهر أغسطس/آب بدلاً من نهاية مايو أو بداية يونيو، وبالتالي لم يكن لديه الوقت للرحيل لأنه كان مرتبطاً مع الفريق الكاتالوني، لذا يتوجب على النادي تمديد فترة صلاحية بند الرحيل المجاني. من جهتها، ترى إدارة برشلونة أنه كان يتوجب على ميسي تقديم طلب رسمي بالرحيل قبل شهر يونيو، وليس بعد شهرين ونصف شهر، لذلك ترفض مغادرته مجاناً بشكل قاطع، كما أنها ترفض التفاوض بشأن رحيله حتى لو بمقابل مبلغ مالي كبير، وهي مصممة على قيمة الشرط الجزائي المقدّرة بـ700 مليون يورو. لم يأت إصرار النادي عن عبث، بل جاء بعد أن لجأ إلى رابطة الدوري الإسباني، التي أصدرت بدورها بياناً رسمياً أكدت فيه على إلزام ميسي دفع قيمة الشرط الجزائي في حال قرر الرحيل عن صفوف برشلونة، وهو ما انتقدته وسائل إعلام إسبانية.
رغم بيان رابطة «الليغا» نهار الأحد، غاب ميسي عن الاختبارات الطبية لفيروس كورونا التي خضع لها جميع لاعبي برشلونة قبل بدء الاستعداد للموسم الجديد، وهو ما يظهر مدى تمسك اللاعب بقراره. وذكرت الصحف الإسبانية أن ميسي اتخذ قرار الانفصال عن برشلونة منذ أشهر، ولكنه كان ينتظر الوقت الأنسب لإعلانه بشكل رسمي، بأنه سينهي مسيرة الـ20 عاماً رفقة النادي الكاتالوني.
من البديهي ملاحظة أن قرار ميسي لم يكن وليد الصدفة. الخروج «المذل» أمام بايرن ميونيخ في دوري الأبطال لم «يشعل الفتيل»، بل إن سبب الرحيل بالدرجة الأولى هو سياسة الإدارة في تسيير النادي، والتي ساهمت إلى حدٍّ كبير في تراجع الفريق مع توالي السنوات. ميسي يشعر بالإحباط. لم يعد سعيداً. اكتفى من مشاريع الإدارة المتتالية والبذخ العشوائي غير المجدي. هو ببساطة يريد الرحيل وخوض تجربة جديدة قبل اعتزاله، وفي حال توصّله إلى تسوية مع الإدارة، وقد يكون نادي مانشستر سيتي وجهته المقبلة إلى حدٍّ كبير.

تداعيات بقاء ميسي
رغم أن النتيجة تعود غالباً إلى المنظومة ككل في عالم كرة القدم، غير أنه لا يخفى على أحد بأن الجزء الأكبر من تاريخ برشلونة الحديث كُتب عبر أقدام ليونيل ميسي. لا يزال اللاعب «لوحده» يضع برشلونة في دائرة الكبار، بعد أن تراجع الفريق كثيراً في السنوات الأربع الأخيرة. صحيحٌ أن الموقف القانوني يصب في مصلحة برشلونة، غير أن الواجب الأخلاقي يفرض احترام رغبة ميسي بالرحيل، وخاصة أنّ تصعيد القضية لن يساهم إلا بتعقيد الأمور على برشلونة.


إجبار ميسي على البقاء لن يصب في مصلحة النادي الكاتالوني، وخاصة أن هذا الإجراء سيجعل ميسي يعتبر أنه تحدّ شخصي ضده، ما سيجعله يلعب رغماً عنه. هكذا، سيبقى النادي تحت نيران الصحافة على مدار موسمٍ كامل، وهو ما يهدّد المشروع الجديد للمدرب رونالد كومان. محاولة إجبار ميسي على البقاء ما هي إلا مماطلة في مواجهة الواقع، من شأنها إهدار موسم كامل. كما أن المنطق يقول إن ميسي يستحق خروجاً من الباب الكبير، كذلك يستحق تكريماً يليق بالأساطير، لا أن يخرج من الباب الضيق لملعب كامب نو.
يجب على الإدارة أن تتوصل إلى تسوية مع لاعبها الأفضل تاريخياً، وذلك بهدف خلق أجواء إيجابية داخل النادي تمهيداً للموسم المقبل. ففي ظل الوضع السيئ الذي يمر به الفريق، لن يحتمل برشلونة موسماً آخر خالي الوفاض من الألقاب، ما يُحتِّم ضرورة التأسيس الصائب للحقبة المقبلة تماشياً مع أفكار المدرب الجديد، ومحاولة اكتشاف اللاعبين الذين يحتاج إليهم، تماماً كما فعل ريال مدريد في الموسم ما قبل الماضي بعد رحيل كريستيانو رونالدو.

مكاسب الصفقة المحتملة
لا شكّ في أن رحيل ليونيل ميسي عن صفوف برشلونة سيشكّل خسارة كبيرة من الناحية الفنية للفريق، لكنّ إعادة هيكلة الشق المالي قد تصب في مصلحة الفريق. فقد ذكرت وكالة أنباء «بلومبيرغ» (Bloomberg) الأميركية في تقريرٍ لها عن صفقة رحيل ميسي المحتملة، بأن رحيل اللاعب الأرجنتيني عن صفوف برشلونة لن يكون كارثة للنادي الكاتالوني وإنما قد يكون بمثابة «فرصة». وأوضحت أن برشلونة، من حيث العائدات، هو أغنى نادٍ رياضي في العالم بل إنه أكثر ثراءً من نادي دالاس كاوبويز الشهير لكرة القدم الأميركية، ولكن راتب ميسي الذي تشير تقارير إلى أنه يبلغ 71 مليون يورو (84 مليون دولار) سنوياً يمثل ضغطاً ويترك أثراً سلبياً على هيكل التكاليف في برشلونة.
يستحقّ ليونيل ميسي أن يخرج من الباب الكبير لبرشلونة


لا يقتصر التأثير على المقابل المالي الذي يتقاضاه ميسي، وإنما تضاف إلى ذلك أعباء مالية أخرى ناجمة عن مطالب لاعبين آخرين أقل في المستوى لكنهم يقارنون رواتبهم براتب ميسي الهائل، ما يزيد من الأعباء المالية على خزينة النادي.
في حال رحيل ميسي عن الفريق الكاتالوني، يستطيع برشلونة إعادة هيكلة الرواتب في الفريق وتقليص التوقعات بشأن هذه الرواتب خلال السنوات المقبلة ما يؤدي إلى تخصيص رأس المال بشكل أكثر كفاءة. لن يؤدي بيع ميسي فقط إلى تقليص النفقات التي يتحمّلها برشلونة لميسي نفسه فقط، بل سيقلص أيضاً من التأثير التضخمي على الرواتب الأخرى لبقية اللاعبين، ما سيخفف العبء عن خزائن النادي التي تعاني الأمرّين بفعل أزمة كورونا.
خسارة ميسي هي خسارة كبيرة لبرشلونة، غير أن الظروف القاهرة ورغبة اللاعب قد تساهم في حسم الأمور. الصفقة صعبة تبعاً لعدم توافق الأطراف والمعوقات القانونية السائدة. الأيام المقبلة ستعطي صورة أشمل عن الوضع.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا